هولاند العائد من تركيا.. وعود بإزالة رواسب الماضي

بعد مرور أكثر من 22 عاما على آخر زيارة يقوم بها رئيس فرنسي إلى تركيا، وصل فرنسوا هولاند إلى أنقرة في زيارة استغرقت يومين وجه خلالها رسائل سياسية وتاريخية واقتصادية حول أهمية العلاقات بين البلدين، في محاولة لترميم ما أهمله سلفه من الرؤساء والقيادات السياسية الفرنسية
ليس سهلا على هولاند كما تقول الصحفية أرزو شاكير ملء الفراغ الذي تسبب به ٣ رؤساء أهملوا العلاقات التركية الفرنسية ونسوا زيارة أنقرة رغم تقديم أكثر من دعوة رسمية
بل إن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي سبق أن حضر إلى إسطنبول مجبرا لترؤس اجتماع مجموعة الدول الصناعية العشرين ولم يتردد في مغادرة تركيا بعد 5 ساعات فقط على تواجده فيها دون أي لقاءات رسمية باتجاه تحسين العلاقات التي لعب هو دورا كبيرا في تراجعها، بسبب تباعد المواقف والخيارات حيال أكثر من ملف إقليمي ودولي
هولاند الذي جاء على رأس وفد فرنسي رفيع ضم 7 وزراء وحشدا من كبار رجال الأعمال يعرف أن مهمته لإزالة رواسب الماضي لن تكون سهلة رغم الإعجاب الذي حصده في صفوف السياسيين والمثقفين الأتراك وقدرته على الإقناع
كثير من أنصار الفرنكوفونية في تركيا الذين وصفوا الزيارة بالتاريخية يقولون إن ما يجري اليوم فرصة لفتح صفحة جديدة من العلاقات بين الدولتين لكنهم لا يخفون انزعاجهم من رسائل الرئيس الفرنسي حول العضوية التركية في الاتحاد الأوروبي، وتذكيره بضرورة تخطي حاجز الرأي العام الفرنسي
فهم يرون أيضا أنه من المستبعد أن لا يكون الرئيس الفرنسي يعرف أن فرنسا هي واحدة فقط من 28 دولة تقرر وبالإجماع قبول أو رفض طلب العضوية التركية إلى الاتحاد الأوروبي الذي مضى على تقديمه أكثر من نصف قرن كما ترى الأكاديمية بريل دادا أوغلو
ويقول الكاتب التركي المتخصص في شؤون العلاقات التركية الأوروبية سميح أديز «في جميع الأحوال من المستبعد أن لا يكون الأتراك يعرفون استحالة قبول طلبهم فرنسيا في أي استفتاء عام للرأي قبل أن يدخلوا في عملية تغيير جذري في سياسة تركيا ليس الأوروبية وحدها بل حيال ملفات تعني الداخل التركي مباشرة، وفي مقدمتها القضية الأرمنية ومطالب الأقليات والملف الكردي وتوسيع رقعة الحريات والديمقراطية في تركيا»
ولا يستبعد الكاتب والأكاديمي التركي جنكيز أكتار أن تظل المسألة الأرمنية التي تتحكم قبل غيرها بمسار العلاقات بين البلدين هي حجر العثرة أمام أية رغبة في الانفتاح وفتح صفحة جديدة من العلاقات ليس بسبب الدعم السياسي أو الأخلاقي الذي تقدمه فرنسا «للدياسبورا» الأرمنية في العالم بل تحديدا بسبب تواجد أكثر من 350 ألف أرمني يعيشون في فرنسا ويملكون كتلة انتخابية مهمة ولوبيا مؤثرا وضاغطا انتزع مؤخرا تعهدات جديدة من فرنسوا هولاند بعدم التخلي عن القضية التي يدافعون عنها
وفي الإطار نفسه لم يستبعد الكثير من المعلقين والإعلاميين الأتراك أن تكون اللقاءات تطرقت إلى مسألة استعدادات الأقليات الأرمنية في العالم لإحياء ذكرى مرور قرن على ما تسميه بالمجازر المرتكبة من قبل العثمانيين ضد آلاف الأرمن والتي تحل العام المقبل، واحتمال أن تلعب فرنسا دورا مهما إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الحدث
قضية اغتيال 3 ناشطات كرديات في باريس قبل عام وتفاعل المسألة تركيا وفرنسيا حظيت كما هو واضح بقسم مهم من المحادثات بين هولاند ورجب طيب إردوغان الذي كرر أن هناك من يحاول إقحام اسم تركيا في هذا الاعتداء وبالتالي يريد قطع الطريق على المسار الإيجابي في التعامل مع الملف الكردي في البلاد
ويتحرك هولاند كما وصف في الإعلام التركي، بالتاجر الذي يريد انتزاع عديد من العقود والاتفاقيات التجارية الكبيرة وفي مقدمتها إنشاء مركز للطاقة النووية يرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 20 مليار يورو خلال السنوات الثلاث المقبلة، إلى جانب فتح الأبواب أمام عقود تسلح حربي متطور ومساهمة فرنسية في بناء الجسور وشق الطرقات السريعة التي يوليها إردوغان أهمية بالغة
لكن الأتراك يعرفون أنه يحمل ملفات شائكة ومعقدة ومطالب كثيرة بينها قضية الهجرة السرية إلى فرنسا ومرور الجماعات المتشددة القادمة من البلدان الأوروبية عبر تركيا في طريقها إلى الداخل السوري
ويرى الإعلامي يلشن دوران أن الفرنسيين يتابعون جيدا المشهد السياسي التركي وربما الدليل هنا هو خروجهم عن القواعد البروتوكولية التي يتعاملون بها ولقاء الرئيس هولاند بزعيم المعارضة التركية اليساري كمال كيليشدآر أوغلو شريكه في الاشتراكية العالمية وهي رسالة سياسية تحمل أكثر من مغزى ومدلول
تحتاج زيارة «رفع العتب» التي قام بها هولاند إلى تركيا إلى المزيد من أبواب الاتصال والحوار وربما تكون الجاليات التركية الموجودة في فرنسا والفرنسية الموجودة في تركيا قادرة أن تكون جسر تواصل مهما تماما كما فعل الرئيس الفرنسي حين اصطحب معه الكاتب والشاعر التركي المعروف والمجنس فرنسيا نديم غورسال الذي لعب دورا محوريا في نقل وجهات النظر وتقريبها