المكتبات لم تمت.. ليس بعد على الأقل

يقول كثيرون إن من العبث أن يكون لدينا أبنية ضخمة تحوي ملايين الكتب والمراجع الأخرى عندما يستطيع اختراع ذكي صغير وإصبع نشيطة أن يقوما بنفس المهمة دون أن يغادر المرء مكتبه أو بيته أو حتى وهو يسافر متنقلا من مكان إلى آخر. مقولة «المعرفة على أطراف أصابعك» أصبحت الآن حقيقة واقعة. من يحتاج إلى المكتبات الضخمة بوجود مواقع الكترونية مثل ويكيبيديا ومحرك بحث قوقل؟ يقول المثبطون إن المكتبات ليست إلا أشياء من مخلفات العصور الوسطى، هيكل من مخلفات السنوات الماضية، لا تتفق مع العصر الحديث، وبعيدة عن التطور، وليس لها مكان في هذا العصر. لا أعتقد أن المغامرات الفكرية للإنسان لها علاقة كبيرة مع الكتب وآثار هذه الكتب والمكان الذي نحتفظ فيه بالكتب. والمكتبات هي أعظم إرث للبراعة الفكرية للإنسان. وهي «غرفة معيشة» الديموقراطية، حيث يزدهر الانفتاح وتتطور الأفكار دون خوف أو فضل من أحد. الكلمة الأساسية هنا هي «الصلة». هل تبقى المكتبات كمجرد مخزن ومستودع للكتب – الكتب الميتة؟ أم إن علينا أن نجعلها مراكز اجتماعية كما كانت في يوم من الأيام؟ وننظر إليها من زاوية مختلفة ومنظور آخر، ونعدلها بحيث تتلاءم مع متطلبات مجتمعات محددة؟ أم إن علينا أن نحذو حذو بعض المكتبات في الولايات المتحدة التي أصبحت مقرا لإعارة أدوات العمل المنزلي فقط ليبقى لها معنى وسط مجتمع بدأ ينظر إلى الفائدة من وجودها بعين الشك؟ المكتبات يجب أن يتم تغييرها. ويجب البدء بالمختصين في شؤون المكتبات أولا – أولئك الذين يفترض أنهم حراس شعلة المعرفة. في نهاية المطاف هم الذين يمتلكون المعرفة المثلى فيما يخص المكتبات، وهم الذين يقضون أوقاتهم يتجولون في الأماكن الهادئة التي يجلس فيها المتعلمون والمفكرون وهم يقرؤون الكتب. هم حراس وخدم المعرفة بمعناها الحقيقي. هناك عناصر من الذكاء، من عصر التجديد، من الحكمة، من القدرات العقلية، من العظمة، من قصة العقل البشري، من الكتابات الذكية في مهمة إدارة المكتبات – شيء يبعث على الفخر. لكن اختصاصيي المكتبات خجولون بطبيعتهم، يمشون بصمت على أرضيات مصنوعة من المرمر ويطلبون من أي شخص يصدر أدنى صوت أن يلزم الهدوء. هم أتقنوا فن النظر من خلف نظاراتهم الطبية والحديث بنبرة منخفضة. ليس من طبيعتهم مطلقا التباهي والتفاخر بإنجازاتهم. ولكن ما هو موقع المكتبات في ثورة الشبكات الاجتماعية؟ أعتقد أنها تبقى مفيدة وتؤدي دورها بشكل جيد، يجب تزويدها بأدوات جديدة لمواجهة العالم الجديد الشجاع. المكتبات يجب أن تحوي أحدث التقنيات والاختراعات الحديثة لتجذب المستخدمين وتثير اهتمامهم. يجب أن تنافس المكتبات مواقع الإعلام الاجتماعي في توفير المراجع والمعلومات والحقائق ذات المصداقية والمثبتة. الأمر يتعلق أيضا بملكية المعرفة. التعاون بين المكتبات ومجتمع المستخدمين يهدف إلى خلق بيئة تجعل المعرفة قابلة للتطبيق، قابلة للترجمة، ومقبولة. التداخل الديناميكي لمستخدمي المعرفة أساسي لتبادل الأفكار والمعلومات. ونشر الأفكار والمعلومات لأصحاب المصلحة بالمكتبات أمر يتعلق أيضا بإدارة المعرفة. وفيما يتعلق بالمنافسة مع الانترنت، ليس محرك بحث قوقل المنافس الوحيد. موقع ويكيبيديا هو أحد المصادر المتعددة للمراجع. موقع تويتر له عدة استخدامات لنشر الحقائق والأخبار الموجزة، بعضها غبي، وسخيف، وبعضها محض أكاذيب لتشويه الحقائق بصورة تجميلية لإغراء وخداع الآخرين، لا أكثر من ذلك. يثني الكثيرون على شبكة الانترنت على أنها الرمز المعاصر للتنوير ونشر المعرفة. لكنها ليست بالضرورة كذلك. والشيء المحزن هو أن الناس لا يدققون في ذلك أو يختبرونه. هم فقط يمتصون ما يجدونه على الانترنت ويبتلعونه بالكامل. هناك مقولة مشهورة لأحدهم جاء فيها «محرك قوقل للبحث يستطيع أن يعطيك 100.000 إجابة مختلفة، لكن اختصاصي المكتبات يعطيك الإجابة الصحيحة». مستقبل المكتبات ثابت بفعل المبادئ التي تنص على وجود «المعلومات بدون حدود» على اختصاصيي المكتبات أن يمتنعوا عن التفكير بأنهم يعلمون انطلاقا من مكاتب صغيرة وصوامع. عليهم أن يفكروا أيضا بنظام بيئي زاخر بالمعلومات والمعرفة غير الكتب، أو وثائق مطبوعة، أو معلومات رقمية.
المستقبل حاليا هو للمختصين في المكتبات. لا يتعلق الأمر بتحسين الخدمات فقط؛ لكنه يتعلق بـ»إعادة اختراع» المكتبات. ذلك يحتاج إلى الكثير من إعادة التفكير لكي تبقى المكتبات ذات فائدة ولتلبية حاجات مستقبل التعلم في مجتمع متواصل؛ ولإعادة ثراء المعرفة للإنسان. المستقبل الفكري للإنسان هو في أيدي اختصاصيي المكتبات.

- أديب وإعلامي بارز (نيو ستريت تايمز- ماليزيا)