قطع الرؤوس ثقافة ستتحول إلى ثقافة مضادة!
السبت، ٨ نوفمبر ٢٠١٤
من المعلوم أن أنواع القتل متعددة قديما وحديثا بحسب مزاج القاتل أو أهدافه، فكانوا قديما يقتلون بالطعن أو الرمي أو السم أو الرضخ أو الرمي من مكان مرتفع أو غير ذلك.
إلا أن أشهر أساليب القتل في العالم كله هو قطع العنق، فهي الوسيلة التقليدية التي ينفصل بها الإنسان عن الحياة بفصل رأسه عن جسده.
وهي عند الناس قبل ظهور الأسلحة النارية أمر غير مستنكر، فإذا أرادوا قتل أحد، فإن الطريقة الأشهر في القتل هي قطع العنق بضرب السيف، ويعتبرون ذلك أسلوبا أكثر إنسانية في القتل من الأساليب الأخرى، لأن قطع العنق يقطع كل أجهزة الإحساس عند الضحية بضربة واحدة فاعتبر أرحم أنواع القتل لعدم وجود الألم التابع للقتل.
ويعتبر ضرب الأعناق أمرا متعارفا عليه بين الناس، كما يتعارف الناس الآن على السلاح الناري في القتال، فلا يعد أمرا مستهجنا كما هو الآن.
إلا أن قطع العنق بالحز بالشرفة فيه شيء من الامتهان للمقتول عند السابقين، وليس كضربة السيف التي تدل على شرف المقتول أو أثره في نفس القاتل وإحساسه بمكانته.
وورد في القرآن الكريم مسألة الذبح وضرب الأعناق، ففي قصة فرعون أنه كان يذبح أبناء بني إسرائيل، وهو أسلوب في غاية الامتهان والإذلال، لأن الذبح في الغالب للبهائم لا للبشر، ولذلك قال سليمان عليه الصلاة والسلام حين لم يجد الهدهد (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه).
وسمى الله كبش إبراهيم عليه السلام ذبحا فقال عن إسماعيل عليه السلام: (وفديناه بذبح عظيم).
وعندما جاءت الإشارة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بذبح إسماعيل عليه السلام جاء بهذا الأسلوب الذي هو الذبح زيادة في الذلة والتقرب إلى الله، فكان هو أقرب الأساليب للعبودية لله في التضحية بالنفس، ولا معنى لغيره من أساليب القتل في ذلك كضرب العنق أو الإحراق أو غيره.
فدل ذلك على أن الذبح نوع من الإذلال والمهانة بين البشر، ولا يذبح بهذا الأسلوب إلا الأنعام لما في ذلك من الحكم المعروفة عند أهل الشرع والطب، ولذلك حرمت الأنعام إن ماتت بغير ذلك عدا الصيد.
ويدخل النحر في باب الذبح وهو ما شرع في الإبل خاصة وقيل البقر، وحكمه في الإذلال حكم الذبح في بني الإنسان.
وعندما هدد النبي صلى الله عليه وسلم المستهزئين من قريش وقال لهم: (جئتكم بالذبح) لم يكن يقصد طريقة القتل وإنما يقصد الحرب والقتل بعمومه لمن عاند وقاتل، وكان مشركو قريش هم البادئين بالحرب والأذى والقتل والتشريد، وعندما سقط أبوجهل في بدر قطع ابن مسعود رأسه وأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم إثباتا لقتله وليس معناه الإقرار بالأسلوب أو اتخاذه سنة، ولعله أراد إهانته وإذلاله لما لأبي جهل من الأفعال الشنيعة بالمسلمين في مكة وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم، إضافة أن مثل هذه القصص لا يصح أن يبنى عليها أحكام لا سيما في مثل هذه القضايا، كما أن هذه القصة لا تعد من ذوات الإسناد المعتبر في الصحة والثبوت، فيصح الاستئناس بها لا إقامة الأحكام عليها.
نحن هنا لا نريد تقرير حوادث فردية وإنما نتحدث عن تحول هذا الأسلوب إلى ظاهرة، كما فعل فرعون ببني إسرائيل، والذين تحولوا هم أيضا بسبب عقدة الإذلال الفرعوني إلى ذابحين لأنبيائهم كما فعلوا بيحيى بن زكريا وأبيه عليهما السلام، وغيرهم من الأنبياء.
اشتهرت ظاهرة الذبح في الأمة الإسلامية منذ صدر الإسلام كظاهرة عامة وليست فردية على يد الخوارج وأحزابهم، لقي الخوارج عبدالله بن خباب بن الأرت، فسألوه عن سيدنا علي أمير المؤمنين رضي الله عنه فأثنى عليه فأخذوه وأضجعوه وذبحوه على حافة النهر، وبقروا بطن زوجته وكانت حبلى.
من يتخذون هذا الأسلوب في القتل يبررون فعلهم ببعض الآراء الفقهية والروايات الواردة في ذلك.
أما الآراء الفقهية فهي ضعيفة في باب الاستدلال، حيث لا تعدو أن تكون اجتهادات غير مبنية على أدلة وإنما هي نوع من ربط هذا الأسلوب من القتل بمصلحة عامة يراها كل شخص من جهته، على أن كل رأي من هذه الآراء له آراء مقابلة له ومخالفة من فريق آخر من الفقهاء، فإذا أضفنا إلى ذلك النصوص المانعة من هذا الفعل القبيح نكون قد أبطلنا قول القائل بالإباحة.
وأما الروايات التي يستندون إليها فإما أن تكون أدلة أوّلت تأويلا خاطئا كالخلط بين ضرب الأعناق والذبح، وإما أن تكون أدلة لا يصح الاعتماد عليها كقصة ابن مسعود رضي الله عنه في حز رأس أبي جهل وأمثالها، وإن صحت فهي أفعال فردية خالفت ما عليه الأسلوب النبوي والراشدي في التعامل مع الأعداء.
ولقد روى الزهري رحمه الله بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل إليه رأس، وعند البيهقي أن أبابكر رضي الله عنه جيء إليه برأس نصراني فأنكر ذلك وقال: (أفاستنان بفارس والروم، لا يحمل إلىّ رأس، فإنما يكفي الكتاب والخبر). ولا يشك أن ذلك من الأمور التي نهى الإسلام عنها.
إن ما رأيناه من أفعال شوهت صورة الإسلام من الذبح والتشفي الذي يدل على الخسة والضعف لا يمكن أن يقبلها عاقل ولا دين.
لقد رأيناهم يلعبون برؤوس البشر كرة القدم ويتضاحكون، ورأينا كيف يذبح الرهينة صبرا أمام الكاميرات مسلمين وغير مسلمين، ولعمر الله لقد كذب من قال بأن هذا من الإسلام.
الذين يفعلون هذه الأفعال يعلنون عن حقيقتهم ويصفون طبائعهم، يزعمون بأنهم يغيظون العدو، فأي عدو هذا الذي يريدون إغاظته وقد قتلوا من المسلمين ذبحا أضعاف من قتلوا من غيرهم؟
والحقيقة أنها ليست إغاظة للعدو! بل هو انتقام من الضعف والهوان في نفوسهم حيث يعجزون عن الصبر على بناء الحياة فطفقوا يهدمونها، إنها نفسية انتقامية من المجتمع الإسلامي الذي أبى يوما الانصياع لأفكارهم وجنونهم.
معادلة جديدة: (قتل + أسلوب + إعلام)!
هذه المعادلة لها مغاز كثيرة أبرزها يقول لك: لا تفكر في الاعتراض علينا أو نقدنا أو تخطينا، وأخفاها يقول: بأن لا حرمة لأحد عندنا.
وجماعة التكفير ذبحت الشيخ محمد حسين الذهبي رحمه الله في مصر، وهو العالم الأزهري المعروف، وذلك دليل على أن الذبح ليس جديدا على ساحة الجماعات المسلحة، وإنما هو أسلوب كان موجودا منذ بداية ظهور هذه الجماعات في مصر في القرن الماضي.
أخذ هذا الأسلوب في الظهور مجددا في الشيشان وطاجكستان والبوسنة على أيدي هذه الجماعات ولكنها كانت بعيدة عن الإعلام، واشتد ظهورها أيام احتلال العراق على أيدي القاعدة التي تحولت بعد ذلك إلى داعش، إذ كانت تصور عمليات الذبح إعلاميا وكانت هي البداية لاشتداد هذا الأسلوب الذي لم يكن جديدا على ثقافة المسلحين.
وهناك ملمح نفسي قد نفهمه من ممارسات هؤلاء: يريد هؤلاء ترسيخ قناعاتهم وأفكارهم عمليا، ويسعون إلى قطع الطريق على الصراع مع النفس الذي يساور الإنسان بين الفينة والفينة ويؤنبها، ثم يريدون أن يسدوا الطريق على المراجعات التي ينادي بها العقل وبقايا الإنسان فيهم باطنيا، فيهرب هؤلاء إلى الأمام بزيادة الممارسات الشنيعة كي يغلقوا على أنفسهم أي طريق تؤدي إلى التفكير في الرجوع أو المراجعة.
في الوقت القريب سوف تستخدم الشعوب الغاضبة نفس طريقتهم في الانتقام منهم، حينها ستصبح ثقافة قطع الرؤوس قضية عادية يمارسها العوام والأطفال ضد أي عدو! فهل يحذر المجتمع العربي قبل فوات الأوان؟