بنت الدهر الثقيلة!

البرد جميل لولا الأنفلونزا، ومشكلة الأنفلونزا تشبه أغلب مشاكلنا على المستوى الخاص أو حتى مشاكلنا العامة، هي تأتي دائماً وتتكرر ونعرف أنها ستأتي، ونعيد الشكوى منها بذات الطريقة، ونستخدم في كل مرة ذات الكلمات للتذمر منها، ولعل الفارق الوحيد أن المشاكل الأخرى يمكن حلها ومن الغباء تكرارها، أما الأنفلونزا فإن الغباء يكون في أننا نعتقد أحياناً أنها ستمر دون أن تلقي التحية.

هي وفية أكثر من الفقر، فالأنفلونزا لا تحتاج لدعوة لتحضر ولا أن تلمح لها بأغنية «زورونا كل سنة مرة» فهي ستأتي غنيت أم لم تفعل، انتظرتها أم تجاهلتها وهذا وفاء نادر، أما الفقر فهو وفي لأنه حين يرتبط بك فإنه لن يتخلى عنك مهما حاولت، ومهما اشتكيت منه أو لعنته أو شتمته، يتحملك أكثر من قدرتك على تحمل نفسك ولا يفارقك حتى يفارقك النفس الأخير، وبكل تأكيد فإن لكل قاعدة شواذ، والشاذ لا حكم له..
والأنفلونزا العادية ظُلمت كثيراً فقد هجاها الشعراء، وشتمها الكتّاب واعتبروها كائنا شريراً وضيفاً ثقيلا غير مرحب به، ولكنهم قوم يستعجلون، فلو عاش المتنبي الذي قال عنها:
«أُراقِبُ وَقتَها من غير شوق .. مراقبة الشموق المستهام
ويصدق وعدها والصدق شر .. إذا ألقاك في الكُرب العظام
أبنت الدهر عندي كل بنت .. فكيف وصلت أنت من الزحام»
لعرف أن للدهر بنات كثيرات غيرها وأنها أكثرهن رقة ومسالمة ولو سمع بأنفلونزا الطيور والخنازير والكورونا والإيبولا لأحب بنت الدهر أكثر مما أحب خولة أخت سيف الدولة!