على إندونيسيا أن ترفع صوتها دفاعا عن الإسلام المعتدل
السبت، ٨ نوفمبر ٢٠١٤أحد التحديات المتعددة التي تواجه الحكومة الإندونيسية الحالية هو تعريف الهوية الجغرافية والثقافية والفكرية الفريدة لهذا البلد. حاليا، هناك جهود حكومية منظمة لتعزيز قوة إندونيسيا من خلال تقديم سياستها الخارجية للمحور البحري للاستفادة بشكل كامل من موقعها الجغرافي الاستراتيجي. ولكن بالإضافة إلى التأكيد على الجانب البحري، تحتاج إندونيسيا للبدء بنشر شخصيتها الفكرية على المستوى العالمي كسفيرة للاعتدال الديني. أعضاء المجتمع الدولي يتساءلون غالبا عن الصمت الذي تمارسه الأغلبية المعتدلة في الدول الإسلامية. هذا يوفر فرصة لإندونيسيا لتصبح رائدة لهذه المجموعة الصامتة.
إذا كانت الولايات المتحدة معروفة بأنها بوتقة الانصهار العرقي، فإن إندونيسيا يجب أن تسعى لتقدم نفسها على أنها بوتقة الانصهار الديني، حيث يعيش أبناء الأديان المختلفة بتناغم وهدوء. مؤخرا، أثنى وزير الخارجية التونسي مولدي كيفي على إندونيسيا لكونها البلد الوحيد في العالم الذي يحتفل بالأعياد الدينية الرسمية للمسلمين والمسيحيين والبوذيين والهندوس. إندونيسيا معروفة بأنها تضم أكبر أغلبية من المسلمين في العالم، لكنها ستحتل مكانة أعلى إذا تم اعتبارها مركزا للقبول الروحي.
بحسب دراسة أجراها مؤخرا مركز بيو العالمي للأبحاث، تزايدت مخاوف غالبية التونسيين من انتشار التطرف الديني في تونس بشكل حاد في 2014 حيث عبر 78% من التونسيين عن مثل هذه المخاوف، مقابل 52% في 2012. هذه المخاوف لعبت دورا كبيرا في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في تونس، حيث تمكن حزب نداء تونس العلماني من الفوز في مواجهة حزب النهضة الإسلامي الذي اعترف بالمقابل بفشله في مراقبة وكبح التطرف.
وكذلك فإن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يكافح التطرف الديني بنشاط في بلده، والذي انتشر بكثرة بعد سقوط نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك. منذ انتخابه، عمل الرئيس السيسي على حظر الجناح السياسي لتنظيم الإخوان المسلمين وصنفه على أنه منظمة إرهابية. موقف السيسي في مكافحة التطرف يبقى نقطة تركيز إدارته ويدعمه في ذلك غالبية المصريين، الذين يرون أن مواقفه الحاسمة منعت مصر من السقوط في نفس الفخ الذي تعاني منه العراق وسوريا. خلال خطابه في الأمم المتحدة في 24 سبتمبر، قال السيسي «لقد بدأ العالم في إدراك حقيقة ما جرى في مصر، وطبيعة الأوضاع التي دفعت الشعب المصري، بوعيه وحضارته، إلى الخروج منتفضا ضد قوى التطرف والظلام، التي ما لبثت أن وصلت إلى الحكم، حتى قوضت أسس العملية الديمقراطية ودولة المؤسسات».
هناك مشكلة مماثلة تواجهها إندونيسيا، حيث يشعر الكثيرون أن تفشي التعصب الديني مؤخرا يهدد أساس الفلسفة الوطنية للبلد التي تدعو إلى التعايش السلمي بين جميع أبناء الشعب. على الصعيد المحلي، تؤيد منظمة نهضة الأمة، وهي أكبر منظمة إسلامية في العالم، التعايش الديني. في الأسبوع الماضي، عقد هاشم مزيدن عضو نهضة الأمة، بالاشتراك مع المؤتمر الدولي لعلماء المسلمين ووكالة مكافحة الإرهاب الوطنية ووزارة الخارجية، ندوة بعنوان «الصراعات والتحول الديمقراطي في الشرق الأوسط». هذا التجمع الفكري بدأ حوارا بين شخصيات دينية بارزة، وحضرته وزيرة الشؤون الخارجية الإندونيسية رتنو مرصودي ووزراء سابقون. كما حضر سفراء دول الشرق الأوسط هذه الندوة التي استمرت على مدى يومين.
وإذا أخذنا في الاعتبار خبرة كل من مصر وتونس في التعامل مع التطرف الديني، سيكون من مصلحة وزارة الخارجية الإندونيسية التعاون بشكل رسمي مع دول شمال أفريقيا للحصول على مزيد من المعرفة حول أساليب احتواء التطرف. من خلال التعامل الفعال مع قضية التطرف، ستتمكن إندونيسيا من تعريف شخصيتها الفكرية وتمضي لملء الفراغ الذي يشكله عدم وجود صوت إسلامي معتدل مهم.
الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قلقة أيضا من هذا الأمر. ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تأثرت بالتطرف الديني، مما أدى إلى إيجاد صورة ضارة ومشوهة عن الإسلام لدى كثير من سكان هذه الدول. السفير الإيطالي في إندونيسيا، فيدريكو فايلا عبر عن اهتمامه بتنظيم زيارة لكبار العلماء المسلمين الإندونيسيين إلى إيطاليا وتقديم محاضرات وندوات لمواجهة بعض المفاهيم السلبية عن الإسلام في بلاده.
هذا المفهوم السلبي عن الإسلام هو الذي جعل الإعلامي الغربي البارز بيل ماهر يصنف الإسلام على أنه «دين مافيا».
من خلال إعادة التركيز على القبول الديني، ستستفيد إندونيسيا من عدة نواح، بما في ذلك السياحة، الدبلوماسية، والاستثمارات الأجنبية.
- باحث في مؤسسة بينا بانجسا للدراسات الدينية والسياسية (جاكرتا جلوب)