الوحدة الوطنية
الجمعة، ٧ نوفمبر ٢٠١٤
يغيب عن كثيرين التفكير بمنطق الآخر، أو تبني وجهة نظر الآخر وتحليلها، ومناقشته على ضوئها بالطرق المناسبة للفكرة، حتى يكون التأسيس للحوار مبنيا على قواعد اتصال سليمة، لا تشويش فيها ولا عنف ولا إقصاء.
هذا تماما ما يحدث عندما يقابل الإنسان مخالفا لعقيدته، وكل معتقِد منهما يؤمن أنّ عقيدته صحيحة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا تقبل النقاش ولا إعادة النظر، فتنشأ عاطفتان متصارعتان داخل كل منهما على الغالب، الأولى: حس إنساني بالشفقة على ذلك المعتقِد الذي يعيش في الظلام، والحرص على إخراجه إلى النور حسب عقيدة المشفِق، فتكون الدعوة وعرض محاسن عقيدته، ولا ضير ما دام السلام قائما.
الثانية: عاطفة العداء لعقيدة الآخر التي يراها باطلة من وجهة نظر عقيدته، فيبدأ كل منهما في ذكر المثالب في عقيدة الآخر، والنيل منها باعتبارها خطرا يجب صدّه.
هاتان العاطفتان لو حاولت كل منهما إرجاء الالتفات إلى نفسها، ونظر كل منهما إلى تجذر عقيدة الآخر في ذاته تاريخيا وثقافيا واجتماعيا وسلوكيا وانغماسه فيها بكل تفاصيلها مؤمنا بأفكارها، مدافعا عن حياضها، لثاب إلى عقله واستشاره في الطريقة التي يحاور بها الآخر، ويستفز عقله أيضا ليناقش قضاياه العقدية حتى لو في لا شعوره.
يسود اليوم التشنج، واتباع العاطفة، والدفاع بشراسة والهجوم بشراسة أيضا، وهذا كله يفضي إلى إلغاء الآخر وإقصائه بعيدا، واتهامه في كل شأن من شؤون حياته، حتى في خلقته وشكله وأصله وحسبه ونسبه ومعيشته وآخرته سيئة المصير.
إن الهوية العقدية من أقوى أنواع الهويات اليوم، فمعظم الصراعات الأممية قديما وحديثا منشؤها عقدي، لكن الحال تبدلت وظهرت هويات جديدة تصلح للحلول محل الهوية العقدية، أهمها الهوية الوطنية في ظل تعدد الهويات العقدية داخل معظم المجتمعات، فاعتبار الهوية العقدية هي الأصل الهوياتي داخل الوطن الواحد تلغي ظلالها الكثيفة الهويات الأخرى، فيتعاظم شعور الأقليات بالكبت، لتبدأ البحث عن مرجعيات هوياتية عقدية خارج وطنها، فيحتدم الصراع، وتنزف الهوية الوطنية دماءها بغزارة وربما تموت تحت شراسة المد العقدي المتلاطم.
كل الأديان السماوية توجه عقل الإنسان إلى أن الدنيا طريق إلى الآخرة، وأن الله أمهل العباد مؤمنهم وكافرهم إلى أجل مسمى، لكن الكثير من أتباع الديانات يتعجلون في أحكامهم ويعاقبون الناس قبل يوم الحساب، وهذا ما نشر الحروب والدمار في العديد من بقاع العالم، حتى داخل أبناء الهوية العقدية الواحدة.
يجب على الأنظمة السياسية تجنيب بلدانها ارتداء الهويات العقدية، والعمل بكل الطرق والوسائل لجمع كل الهويات وإذابتها تحت الهوية «الوطن» حتى تحافظ على وحدة مواطنيها وأراضيها من التفكك والتفتت خلف هويات عقدية مختلفة، فالمسألة المهمة والمعقدة والتي تجعل الهوية العقدية في غاية الخطورة على كل وطن أنها قابلة للتجزؤ والتفكك وعبور الحدود، وهي نزّاعة إلى التنافس والتناحر، وهذا ـ في نظري ـ يجعلها غير صالحة للعصر الحديث المبني على نظم سياسية في أوطان محددة، وهو الحل الأمثل لأن تكون الهويات العقدية في تعايش سلمي، حتى وإن طالها الاختلاف الفكري، لكنها تظل محتفظة بخصائصها الوطنية بعيدا عن الولاءات المتعددة.
والحق أن هويتنا الوطنية هي ملاذ وحدتنا الأوحد، وإن كثر الطرح والتنظير من خلفيات مؤدلجة مهما كانت عقلانيتها، فلن تستطيع هوية أخرى أن تحل محلها، ولا يفوتني أن أثمن عميقا البيان الذي تلاه المثقفون على اختلاف هوياتهم العقدية في ملتقى الشعر العربي المنعقد قبل أيام في أدبي الباحة، وأكدوا فيه على أهمية التشبث بالهوية الوطنية التي تحافظ على اللُّحمة والاتحاد، فلن نجني من الهوية العقدية إلا ويلات الفرقة، والتفتت إلى طائفيات معجونة أفكارها بالعداء والإقصاء والتهميش والبحث عن سند خارجي، ولنا فيما دار ويدور حولنا عبرة، والمجد للوطن.