مأكول مذموم
الجمعة، ٧ نوفمبر ٢٠١٤
حالنا مع العلامة الجليل شوقي ضيف حال عجيب، لا تكاد جامعة من جامعاتنا العربية، وربما في الشرق أو الغرب، تخلو أقسام الآداب العربية فيها من تقرير كتبه أو طائفة منها على طلابها، ويتخذ أساتذة الأدب والنحو والبلاغة كتبه مراجع يأنسون إليها حين يريدون معرفة أوفى بتاريخنا الثقافي، ومع ذلك لا يزال أساتذة الأدب، خاصة، يعدون منهجه «تقليديا»، وأنه يميل إلى «السرد» لا «التحليل»، وأن مدارسته للآثار الأدبية يغلب عليها «الإنشاء» و»الانطباع»، إلى آخر تلك الكلمات التي روج لها المأخوذون بالمناهج النقدية الحديثة، حين نظروا في أعطاف كتب شوقي ضيف، فأرادوها على معهود ما يعرفون، فأشاعوا في طلابهم وفي بحوثهم أن هذا الضرب من التأليف «ضار» بمعرفة الأدب وقراءته.
والذي أميل إليه أن ما ذاع عن كتب شوقي ضيف وباحثين آخرين، أدنى إلى المأثور من السماع منه إلى البحث والمدارسة والتنقيب، وانظر فيما يشيع من آراء حوله، تجدها، في الأعم والأغلب، كلمات مكرورة، صبت في عبارات مسكوكة، مآلها الذي تنتهي إليه تزهيد القارئ والباحث في هذا الضرب من الكتب.
وربما أضر تقرير كتبه في الجامعات والمعاهد العليا بسمعتها، فحسبها الطلاب والباحثون كتبا مدرسية، ينتهي العهد بها بانصراف الطالب عن الجامعة أو المعهد، على أن دروس الجامعة يغلب عليها الانتقاء والاستظهار فوق ما يراد لها من المدارسة والتحليل والتفكير، وقصارى ما يفعله الأستاذ، ويتبعه في ذلك الطلاب، أن تكون قراءتهم لتلك الكتب كحسو الطائر لا تسمن ولا تغني من جوع.
اتفق لي أن أنقطع مدة من الزمان إلى كتب شوقي ضيف، وأن أفرغ لقراءة موسوعته الواسعة في تاريخ الأدب العربي، بمجلداتها المتعددة، وحرصت على أن أقرأها قراءة أبتغي من ورائها المتعة والتأمل، ثم إذا بي، بعد أن فرغت منها، تجاه عمل علمي وأدبي رصين، غايته التي يرمي إليها الفحص عن العقل الثقافي العربي، منذ الجاهلية حتى العصر الحديث، وأن تلك الموسوعة العظيمة ينبغي أن نضعها في صف واحد مع أعمال تتسم بالأصالة والإبداع، وبخاصة موسوعة أحمد أمين: فجر الإسلام وضحاه وظهره.