المجتمع المكي والهجرة العكسية في كيف كنا (2-2)

يأخذ عبدالله الخطيب بيد القارئ عبر سنوات طفولته التي عاشها في حارات مكة عبر كتابه «كيف كنا»، ويحكي عن السرحة التي كان يلهو بها مع مجموعة الصبا، واصفا «الهوشة والهوشات» ولبس «مشاكلة الحارات» وقانون الحارة، وشخصياتها البارزة كشيخ الحارة- العمدة فيما بعد- الذي يقول عنه: كان في الغالب شخصا قويا مارس الدنيا وعلمته التجارب، وذاق حلو الحياة ومرها ونعيمها وبؤسها، إذا تكلم أنصت الباقون وكأن على رؤوسهم الطير، فلا يجرؤ متحذلق بأن يقطع كلامه أو يبدي معارضته.
ويصف المزمار وما له من قوانين، ثم ينتقل إلى المقاهي، ويصفها بأنها ملتقى الطبقات الكادحة.


العيد في الحارة

وينتقل الخطيب إلى وصف العيد في مكة، وملابس الطبقات المشاركة فيه، ومظاهر الاحتفال واللعب، ولا ينسى خلال ذلك أن يكتب لنا عن بعض ما مر به في بيته وعلاقته «بالدادة» العجوز الشمطاء على حد تعبيره، وحكايات الدجيرة وهول الليل.
وضمن وصف الحارة يصف الخطيب خروج الركب لزيـارة المدينة المنورة، ومن يصحبهم من بيرقدار ومزهد والخروج إلى الشهداء على الشقادف، التي كانت وسيلة مريحة في نقل الحجاج على ظهور الجمال قديما.
ويصف الخروج في ليالي الصيف إلى الشهداء للسمر، ناقلا من خلال ذلك بعض الطرائف التي حصلت أمامه أو سمع عنها.
ويتحدث عن النصف الثاني في المجتمع المكي فيقول: المرأة الحجازية ست بيت من الطراز الأول، تتعهد صغارها بالتربية الصالحة والتلقين المؤمن، وتخلق في نفوس أبنائها معاني الإيمان بالله منذ نعومة الأظفار، وكان من النساء في مكة المكرمة من يحفظن كتاب الله عن ظهر قلب، ويفهمن أصول الدين ولقد عرفن بعض أصول القراءة والكتابة، وأعرف سيدة من عائلة معروفة كانت تكتب بأسلوب أدبي، ولها خط جميل بارع، مما يدل على أنها تلقت مبادئ العلم في المدرسة.
وتطرق لوصف ملابس النساء المكيات وفلسفة الحياء التي كانت تكلل ملابسهن.


حكاية الحج في مكة

ومن أجمل فصول الكتاب الفصل المعنون بعادات الحج، والذي وصف فيه خروج أهالي مكة للحج، وما يصاحب ذلك من استعدادات بعمل المعمول والكعك والغريبة واللدو والهريسة، وحفظها في علب من الصفيح تصنع عند السمكري، واستعداد الجمال بـ»الوجاهات والدربزانات والمخالي والرباعي والزنابيل» ثم تأتي السحاحير والمشاعل، ووصف المحملان الشامي والمصري، وتبعا لذلك يصف «الخليف» في مكة، وما يحدث فيه من تنظيم نسائي كان يعرف بالقيس.
ومن التاريخ الشفهي الذي سجله لنا روايته عن أحد أهالي المدينة المنورة، ومغامرته لإحضار ابنة بصري باشا، والتي كانت زوجة لكامل باشا «طبجي القلعة» في مكة، خلال حصار قوات الثوار لقلعة جياد.


الهجرة العكسية

وفي الوقت الذي ناقش فيه المؤرخون الهجرة إلى مكة وعواملها ودوافعها، تحدث الخطيب عن الهجرة العكسية، وهي هجرة الأهالي من مكة إلى الخارج، فنجده يقول: إنك لو زرت أي بلد لوجدت فيه جالية حجازية، بأزيائها الوطنية ولهجتها الشعبية، وصادق على قولي هذا ما حدثني به المطوف المكي الشيخ حسين ميميش فقد أخبرني أنه رأى ثلاثة من الحجازيين في مدينة باريس الفرنسية وأحدهم صاحب مقهى، والآخر صاحب مطعم، والثالث صاحب محل لصنع الفطائر المعروفة بالمطبق، ووصل بعضهم إلى أرخبيل اليابان، ونشروا التعاليم الإسلامية في تلك الربوع بشتى الطرق.
كما عرض على صفحات كتابه بعض الشخصيات المرحة التي اشتهرت في الحجاز مثل: صديق معوض، وبراجة، والأسطى طاهر المغربي، وأبوصادق، وعرض بعض مواقفهم وطرائفهم، وقد اختتم كتابه بطائفة من الأمثال الحجازية التي كانت شائعة على الألسن، منها ماهو معروف ومنها ما اندثر.
لعل الله يهيئ الظروف لإخراج الكتاب مرة ثانية، بعد طبعته الأولى محققا، لما له من أهمية في تاريخنا المكي، بما حواه من معلومات لم يناقشها كتاب أو مؤرخو تلك الفترة.



الخطيب كتب على الجرائد والجدران ووثق الحكايات المكية (1-2)
المجتمع المكي والهجرة العكسية في كيف كنا (2-2)