ملامح مجتمع وتاريخ من الإنسانية والعطاء
الخميس، ٦ نوفمبر ٢٠١٤
تعارفت البشرية على المشاريع الخيرية الريعية، تلك التي تنبع من جانب العطاء الإنساني النبيل، الساعي إلى الوقوف بجانب المجتمع والدولة في محاربة الفقر والمرض والأمية والبطالة، ورعاية المحتاجين والأرامل والأيتام والعجزة، ولإصلاح ما فسد من أخلاق وحياة الناس.
وأينما اتجهت في أي مجتمع أو بلد في هذا العالم تجد هذا من أسس الحياة، وفي كل مجتمع تتطور فيه هذه المشاريع نوعا وأداء، وتستلهم من بعضها ما يزيدها تطورا وعطاء وتأثيرا.
وعندما جاء الإسلام أقر الوقف وهو: (حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة) كما يعرفه الفقهاء، وهو باب واسع في الإسلام أوسعه أئمة الإسلام تفصيلا ودراسة وتفريعا، وبينوا أثره على المجتمع وعلى الأفراد من حيث المنفعة والرعاية والإصلاح.
ودور الوقف في الإسلام لا ينكره من قرأ التاريخ والواقع، إذ استطاع الوقف أن يغطي مساحة كبيرة من احتياجات المجتمع والأفراد، وأن يفتح فرصا لم تفتح إلا من خلاله وذلك معروف ومدون فيما أثبته التاريخ الماضي والمعاصر، والذي بين أيدينا هو أحد هذه الإثباتات.
مراحل وتحولات
والحديث عن المراحل والتحولات التاريخية للوقف الإسلامي يطول، إلا أنه في كل مرة يتخذ طريقة وشكلا مختلفين، حيث كان في بداية الإسلام منحصرا في أبواب معينة كالبساتين والمساجد والكراع والسلاح والآبار وأمثال ذلك، ثم أخذ يتطور مع اتساع رقعة البلاد الإسلامية وزيادة الثروات حتى وصل التطور الوقفي إلى مستوى الوقف العائد بمنفعته على الحيوان بعد أن غطى احتياجات الإنسان في فترات من التاريخ.
على سبيل المثال ما كان عليه الوقف في أيام نظام الملك في فترة الدولة العباسية الثانية، أو ما بعد ذلك في أيام الدولة النورية، أو في فترة المماليك وهو من العصور الذهبية للوقف والإعمار، وكذلك العصر العثماني.
ونرى في العصر الحديث كيف تحولت طرائق الوقف، حيث أصبح يسير على الطريقة المؤسسية التي تنمي الأوقاف وتحافظ على ازدهارها واكتفائها الذاتي، وأخذت الدول تتبنى الأوقاف إدارة وضبطا ومسؤولية وتطويرا في أغلب أبوابه.
ومن أحدث الأوقاف في البلاد الإسلامية وقف الملك عبدالعزيز الذي أنشئ في السنوات الأخيرة صرحا عالميا بجوار المسجد الحرام، وهو من الأساليب الجديدة التي اتخذت في العصر الحديث من حيث الطريقة الريعية والمصارف الوقفية.
ومكة المكرمة هي أسعد البلاد بالوقف الإسلامي دائما لما في هذا المكان من الشرف والأجر المضاعف، ولما له من احتياجات مستمرة حيث هو مهوى الأفئدة وقبلة العالم الإسلامي، وبحاجة دائمة إلى القيام بحق الضيف والجار.
السجلات والوثائق السلطانية للأوقاف المكية، تصنع لنا تصورا واقعيا لتاريخ من العطاء الإنساني وملامح مجتمع منه انطلق نور الإسلام وجماله وعدالته، وفيه تحققت صفات المجتمع المعطاء والتكافل المنشود على مستوى البشرية.
ونحن من منطلق هذه الوثائق والسجلات نصنع تصورنا في سلسلة ممتدة الحلقات عن مكة ومجتمعها وملامحها وآثارها الواردة في وثائق رسمية تعتبر كنزا من كنوز التاريخ المعاصر.
مكة المكرمة كانت من أسعد البلاد بالأوقاف