نسائم الربيع الأسمر لن تهب على أفريقيا
الأربعاء، ٥ نوفمبر ٢٠١٤
الرياح العاصفة التي هبّت على نظام الرئيس البوركيني بليز كمباوري، فزلزلت أركانه وأجبرت الأخير على الاستقالة ومغادرة البلاد، قد لا تكون لها ارتدادات في بقية أرجاء القارة الأفريقية، كما كان عليه الحال بالنسبة للانتفاضة التونسية.
فسريان عدوى التمرّد على الحاكم قد لا تجد أرضية خصبة في القارة السمراء، نظرا للخصوصية التي تميّز المطالب البوركينية.
ففي الوقت الذي ذهبت فيه تحليلات إلى أنّ الانتفاضة البوركينية ستكون الشرارة الأولى لـ “ربيع أسمر” تهبّ نسائمه على أنظمة أفريقية عديدة، بدا أنّ المقارنة ليست بالدرجة الكافية للحديث عن بوادر ربيع أسمر محتمل.
فالشارع البوركيني لم يتحرك فعليا لإسقاط نظام كمباوري إلا في 30 أكتوبر الماضي، وهو اليوم الذي كان من المنتظر أن ينظر فيه المجلس الوطني في مشروع المراجعة الدستورية الذي تقدم به الرئيس السابق، للترشّح لولاية رئاسية ثالثة.
بيد أن رؤساء مثل جوزيف كابيلا (جمهورية الكونغو الديمقراطية) وبوني يايي (البنين) وبيار نكورونزيزا (بوروندي) لا يزالون يحتفظون بنوع من الضبابية التي يغلفون بها حقيقة نواياهم فيما يتعلّق بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، إذ لا أحد من هؤلاء عبّر بشكل علني ورسمي عن اعتزامه تعديل دساتير بلدانهم من أجل البقاء في الحكم، وحتى وإن وجدت مشاريع لتنقيحات دستورية محتملة، فجميعها لم تبلغ بعد مرحلة الاعتماد الفعلي.
فهذه الضبابية التي تلف المشهد السياسي في مجمل البلدان الأفريقية المذكورة (بما أنّ هذه الدول تستعدّ لخوض استحقاقات انتخابية سواء 2015 أو 2016)، والمتعمّدة من قبل الرؤساء خشية الغضب الشعبي، هي ما يمنع الشارع من التحرّك، في ظلّ غياب أي خرق فعلي للقانون أو اقتراب موعد للقيام بذلك على الأقل.
وبنفس القدر الذي تمنع فيه هذه الضبابية تعبئة شعبية، تقتصر ردود الفعل الدولية على صياغة بعض التوصيات.
وليس أدلّ على ذلك من موقف الخارجية الأمريكية، حين اكتفى جون كيري خلال القمة الأمريكية الأفريقية السابقة بالضغط على المسؤولين الأفارقة لعدم إدخال تنقيحات على دساتير بلدانهم لمصالح شخصية أو سياسية، فيما قامت سابقا بتوجيه انتقادات شديدة اللهجة لأنظمة أخرى قامت بخروقات ملموسة، لا سيما منها الدول التي هبّت عليها نسائم “الربيع العربي”.
فما حصل في البلدان العربية كان “انفجارا”، ومعطياته وحيثياته غير متوافرة في الغرب الأفريقي، وحتى الاحتجاجات الاجتماعية في هذه المنطقة تتسم بطابع مميز ومختلف، ما يعني أنّ استنساخ الربيع العربي في أفريقيا يتطلّب توفّر العناصر نفسها.
وفضلا عن ذلك، فإنّ انعقاد الانتخابات الرئاسية المرتقبة في 2016 لدول في غرب أفريقيا، يمنح رؤساءها إمكان محاولة القيام بمراجعات دستورية، وهذا يشكّل عنصر انقطاع لا يقيم تناظرا مع ما حصل في سيناريو “الربيع العربي”، حيث اندلعت الانتفاضات الشعبية في كل من مصر وليبيا وسوريا واليمن، بعد وقت قصير من اندلاعها في تونس.
وجملة هذه الاستنتاجات تحيل إلى أن خصوصية الشرارة الأولى للربيع العربي تظهر غياب عناصرها في سياق الصحراء الأفريقية، وهو ما يجعل من إمكان تصدير الحالة العربية بأكملها إليها رهينة الصدفة لا غير.