تصفيق مجلس الشورى
الأربعاء، ٥ نوفمبر ٢٠١٤
أين يكمن مصدر التعجب والغرابة في إقرار مجلس الشورى السعودي لتوصية تسمح لأعضائه بممارسة التصفيق تحت قبته؟! هذا السؤال يستدعي أن نجاوز إقرار المجلس لهذه الممارسة فليس فيه – إذا أخذناه لوحده بوصفه تقنيناً داخلياً - ما يثير عجباً أو يلفت إلى غرابة؛ لأن المصطلحات التعبيرية بما فيها التصفيق متمايزة، وهناك تقاليد وأعراف تمنع التصفيق في بعض دول العالم في أشكال معينة من المجالس العامة، ومنها مجلس الشورى المصري طبقاً لعرف سائد وليس لقانون مكتوب، خلافاً لمجلس الشعب الذي لا يمنع التصفيق، وقد كان التصفيق في مجلس الشعب موضوع جدل بين حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة ذات حين. والتصفيق في بعض البرلمانات التي تقرِّه محدَّد – مثلاً - بطريقة لا مجال لغيرها، كطريقة الضرب بالأيدي على سطح المكتب في بعض البرلمانات الغربية. ومعنى ذلك أنه لغة اصطلاحية مختلفة باختلاف الثقافات والمقامات والمقاصد، ومختلفة باختلاف أشكاله الدالة.
أما التعجب والغرابة اللذان أحدثهما قرار مجلس الشورى السعودي، فيرجعان إلى أسباب عديدة: أولها أن هذا القرار ليس موجهاً إلى خارج المجلس وإنما إلى أعضائه؛ أي أنه يضاف إلى لائحة المجلس الداخلية، وإلى ما يتفق عليه الأعضاء بينهم من ممارسات تعبيرية، فإعلانه – إذن - للعموم يحمل مفارقة لموضوعه وغرضه. والثاني: أن الخبر الذي نقل القرار إلى الناس أشار إلى «أعوام من الصمت والجدل الخفي» وأنه «حل جذري يتجاوز حالة الحرج»... إلخ! وهذا تضخيم لموضوع لا يبدو في حاجة إلى كل ذلك؛ فكم ستحتاج من وقت المجلس وجهده قضايا جدلية ينقسم المجتمع حولها أو تجد تحدِّياً ومناوءة شرسة؟! والثالث: هو استدعاء الديني وحضور الفتوى، بالإحالة على فتوى الطنطاوي وابن عثيمين، وهو موضوع ليس له طبيعة إشكالية دينياً. والرابع: طرح التوصية للتصويت، فذلك يعني توقع الاختلاف عليها والمعارضة لها، وهذا توقع لا موجب له لأنه موضوع تنظيم داخلي للمجلس، ولا بد أن للمعارضين له طبيعة من نوع غريب فعلاً.
الذين تعجبوا من القرار واستغربوه كانوا يدللون على ذلك في مسافة التعارض والمناقضة لما يريدونه من مجلس الشورى وما يطمحون به إليه. فمَنْ حمد الله على صدور القرار لأنه كان خائفاً ألا يصدر، مرادفا في المعنى لمن قال إن دموع الفرح هزمته وهو يقرأ الخبر!! فالفرح هنا ناجم عن قرار لا يعني لهما ولا لغيرهما خارج المجلس شيئاً، ولا يستدعي لبساطته ضخامة الجهد وامتداده الزمني؛ فهو –إذن- فرح مناقض لسببه، بحيث يغدو دلالة على الحزن لا الفرح، وعلى انصراف جهد المجلس عما هو أكثر جدية وتحدِّياً ونفعاً. ومن تساءل عن معنى «التصفيق» كان يتخابث في لفت النظر إلى دور المحاسبة والنقد للأجهزة التنفيذية وهو الدور الأهم للمجلس، وهذا مؤدى يتطابق مع الحسرة الناطقة لدى من قال «توُّهم وصلوا إلى أنه حلال» لأن هذا الاستبطاء يستلزم استبطاء أشد لقرارات المجلس الأخرى؟!
ليت مجلس الشورى يفرِّق بين ما يتعلق من قراراته بتنظيمه الداخلي، وبين ما يهم المواطنين أو يتعلق بالجهات الحكومية خارجه.