النظافة ثقافة ومسؤولية مجتمع

انطلقت قبل عدة أعوام حملة (نظافة مكة مسؤوليتي) برعاية وكيل الإمارة آنذاك الإداري الفذ سعادة د.
عبدالعزيز الخضيري، وشارك فيها رجالات التربية والتعليم وطلاب من مختلف المدارس وشباب من جمعيات مراكز الأحياء وغيرهم.
.
وشاهدنا بعض المسؤولين يحمل بيده (فرشاة ومجرافا) كخطوة يقتدي بها الطلاب في نظافة مكة.
والحملة بحد ذاتها كانت تسعى لبث روح المسؤولية الاجتماعية في نفوس الأبناء وتعزيز مفهوم الانتماء وحب الوطن.
.
ولكن وللأسف ما إن انتهت الحملة حتى عادت حليمة لعادتها القديمة؛ وهي الأزمات التي حدثت وتحدث بمجرد تخلي مؤسسات أو شركات النظافة ومقاوليها عن مسؤولياتهم في النظافة - لمشكلات تعترضهم - مما يتسبب في تكدس للنفايات وتشويه لصورة أقدس بقاع الأرض ناهيك عما قد تسببه تلك النفايات من كارثة بيئية.
.
!! والآن وقد جاء متعهد جديد للنظافة وبدأنا نتلمس تحسنا كبيرا في خدمات النظافة على الأقل في الشوارع الرئيسة.
.
وبصرف النظر عن استمرار سلوكيات العمال في الشحاذة بالرغم من تغيير الشركة.
.
والتي يبدو أن هزالة الرواتب وعدم قدرتهم على مجابهة مستوى المعيشة سبباً وجيهاً لهذا السلوك الذي لا بد من إيجاد حلول جذرية له.
.
الحقيقة أنني بصدد رصد للنظرة المستقبلية للنظافة في مدننا وخاصة الأماكن المقدسة منها مكة المكرمة والمدينة المنورة لتحقيق رؤية سامية وهي: “ارتباط القداسة بالطهر والنظافة” فلو افترضنا أن شركة النظافة الجديدة قد اعترضتها إحدى المشكلات مع عمالها - وهذه ليست نظرة تشاؤمية بقدر ما هي نظرة تحليلية لمجابهة المستقبل - فهل سنعود إلى نفس دوامة تراكم النفايات وتكدسها وتلوث البيئة ومخاطرها؟؟ أظن من وجهة نظري أن مشكلة النظافة في المجتمع لها محاور متعددة أولها وأهمها (الإنسان): فأكوام النفايات التي تتراكم في الشوارع والطرقات هي أصلاً سلوكيات المجتمع الذي تعود - بعض من أفراده - على رمي المخلفات، وهي مسؤولية تقع على الكبار قبل الصغار - للأسف - لأنهم القدوة في التوجيه الفعال للأطفال بعدم رمي المخلفات في الطرقات والشوارع والمتنزهات العامة.
وكذلك المدرسة لها الدور الأكبر في التوعية بأهمية نظافة المكان واحترامه.
وكم أستاء جداً حين أرى في الساحات المدرسية أكوام النفايات بصورة مقززة بعد نهاية الفسحة لماذا لا تطبق إدارات التربية والتعليم حملة تسمى: “مكاني عنواني” فالطالب النظيف.
.
سيكون مكانه نظيفاً والعكس صحيح.
.
فكل طالب لو حافظ على نظافة المكان فلا حاجة لمن يلتقط خلفه النفايات.
وللمعلومية فإن التقاط النفايات في مدننا يكلف البلديات مبلغ ثلاثة مليارات ريال سنوياً، وكان الأجدر بنا ونحن أمة النظافة أن نوفر تلك المبالغ الطائلة لمشاريع تخدم المواطن.
وفي الدول المتقدمة أيضاً من النادر جداً أن ترى عامل النظافة يجوب الطرقات والحواري لالتقاط النفايات فسكان كل منزل أو عمارة مسؤولون عن نظافة المكان، وربما تقام دعوى ضد من لا يحافظ على النظافة أمام منزله أو عمارته لأنه يسيء للبيئة وجمال الحي، بل حتى النفايات لا ترمى عشوائيا بالأكياس، بل توضع وتصنف بألوان للحاويات فهناك حاويات للورق وثانية للبلاستيك والزجاج وأخرى للنفايات المبتلة حيث يستفاد منها جميعاً وهي كنز لهم.
.
بينما نحن وللأسف الكثير من كنوزنا تذهب للحرق والدفن.
.
!! وقد يتسبب ذلك في كوارث مستقبلية لو استمررنا على نفس الوتيرة والنهج.
أظن أننا بحاجة إلى فرض عقوبات صارمة لكل من يرمي ويقذف بالنفايات في الشوارع وأن تكون هناك أجهزة مراقبة وسيارات للمرور مزودة برادارات وكاميرات والقبض على كل يرمي مخلفات في الشوارع وفرض غرامة لا تقل عن (300 ريال)، طبعاً يسبقه إعلان في كل وسائل الإعلام بتطبيق النظام.
إن مثل هذه الأساليب الرقابية طبقتها الدول المتقدمة في شوارعها منذ عقود من الزمن فأيقظت ثقافة الناس ومسؤوليتهم الاجتماعية بأهمية نظافة مدنهم فأصبحت مصدرا من مصادر سعادتهم… فهل يتحقق لنا ذلك؟؟