إلغاء الصكوك.. وتحرير الشبوك؟

الشبوك مصطلح معروف في بلادنا، ويقصد به ذلك السياج الحديدي على الأراضي والذي يمتد لمساحة واسعة، منظرها مشين ووضعها حزين، وقد تحولت مع كثرتها واتساع مساحاتها الشاسعة، إلى مشكلة اقتصادية كبرى ومقلقة اجتماعيا، وأصبحت تحاصر المدن الكبيرة ولم يعد في مقدروها التمدد. وعلى صفحتها الأولى نشرت إحدى الصحف المحلية خبرا عنوانه: «إبطال صك بمساحة 75 مليون متر مربع»، وفي ثنايا الخبر أن لجنة قضائية رفيعة المستوى أبطلت حجة استحكام صدرت قبل نحو 44 عاما، وبدراسة الصك إثر دعاوى عدة وصدر الحكم بالأكثرية بإبطال الحجة التي تعد الأكبر في تاريخ المملكة.

وبحسب تقارير منشورة، فقد قامت وزارة العدل بإلغاء عدد من صكوك الأراضي التي تم الحصول عليها وتغطي مساحات شاسعة في منطقة الرياض ومناطق أخرى من المملكة، ففي الرياض وحدها تجاوزت المساحة الإجمالية التي غطتها تلك الصكوك (500) مليون متر مربع. فمحكمة الاستئناف بالرياض ألغت صكوكاً لأراضٍ تجاوزت مساحتها نصف مليار متر مربع، بعد أن اكتشفت وزارة العدل أنها مستخرجة بطريقة غير نظامية، وقدرت قيمتها بنحو 400 مليار ريال، وستعود الأراضي لملكية الدولة. 
وتقوم وزارة العدل بجهود مشابهة في مكة وجدة والطائف والليث وخليص، حيث تم إبطال صكوك تغطي 200 مليون متر مربع! وقد أشاد سماحة مفتي عام المملكة رئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، بما أعلنته وزارة العدل مؤخرًا حول إلغاء صكوك مزورة لأراض. وطالب وزارة العدل أن توضح أسماء الذين قاموا بتزوير الصكوك والوثائق، ليكون ذلك رادعا لهم ولأمثالهم. وفي حديث تم تداوله مؤخرا على نطاق واسع - لا يخلو من الطرافة - اعترف صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبدالعزيز وزير الحرس الوطني بمشكلة الشبوك، حيث قال صراحة إنه أصبح من الصعوبة على المواطن امتلاك أرض في هذا الوقت، بسبب انتشار الشبوك، فقد قال الأمير متعب في حديث باسم مع أحد المواطنين: «لقيت أرض؟ من كثر الشبوك ما تلاقي أرض». ولقد أثار ذلك الحديث ردة فعل العديد من المغردين من مؤيد من جهة، ومستهجن من جهة أخرى، من حيث إن هذه المعلومة قد أصبحت من البديهيات، وأن الجميع ينتظرون إجراءات إصلاحية جذرية.
ولا شك أنه يمكن أن يكون لإلغاء هذه الصكوك، وعودة الأراضي إلى ملكية الدولة، أثر ملموس على أسعار الأراضي، إن تمت إدارة الأمر بالشكل المطلوب. وكم شدني ذلك الحديث الصحفي مع أحد أمناء المناطق، حيث ذكر أن حل مشكلة الشبوك التي تحاصر وتخنق مدن ومحافظات منطقته من عدة جهات وتحد من نموها الطبيعي، ليس في يد الأمانة ولا في يد وزارة البلديات، لأن الموضوع خارج نطاق وزارة البلديات. وأشار إلى أن المشكلة كبيرة ومعقدة، مؤكداً أن الأمانة بذلت جهوداً على مدى سنوات عديدة لاسترجاع هذه الأراضي، عن طريق سمو أمير المنطقة وسمو وزير الشؤون البلدية.
إن المطالبة بتحرير التراب من أسر الأسوار (الشبوك) بات ملحا للغاية، وليس من المعقول ولا المقبول أن تبلغ مساحة السكن في مملكة مترامية الأطراف 2% فقط من مساحتها، وقد باتت قيمة الأرض أعلى تكلفة من قيمة بنائها! وتحرير تلك الأراضي سيكون له - كما أسلفت - أثر إيجابي كبير على أسعار العقار، والذي بلغ مبلغا عجيبا، وتضاعفت أسعاره مؤخرا بشكل غير مبرر، حتى بات الكثيرون في غاية العجز عن تملك قطعة أرض، والإسكان لم يواكب طموحاتهم، وتحرير هذه الأراضي التي أحاطتها الشبوك ربما تحمل لهم أملا يترقبونه بأفئدتهم قبل أن ترمقه أبصارهم. ومن جهة أخرى هل تصورنا كم سيكون العائد من القيمة التقديرية لتلك الأراضي «وقد بلغت المليارات»، وهل تصورنا كم العائد لو فرضت عليها رسوم مالية، ألا يقضي ذلك على الفقر؟ ألا يؤدي ذلك لخفض أسعار تلك الحيازات الكبيرة من الأراضي؟