الإرهاب يهدد أكثر من حياة الناس

الحروب لا تقتل الناس فقط، لكنها تدمر ثقافات وتهدم حضارات أيضا. هنا في جنوب شرق آسيا، نحن نعرف الإرث المحزن لنظام الخمير الحمر اللعين، والذي كان من بين ما فعله نقل سكان المدن إلى الريف وقتل خلال تلك العملية نخبة المواطنين الكمبوديين من علماء ورجال أعمال ومثقفين وغيرهم. وخلال ذلك أيضا أهملوا الجامعات والمكتبات العامة ودمروا مظاهر العمران الحديث. وبعد انهيار نظام الخمير الحمر، عانت كمبوديا ولا تزال من آلام الخسارة والدمار. هذا ما يحدث عندما تُستهدف الجامعات وتُحرق الكتب، عندما تُغلق المستشفيات والأسواق: تضيع أهم تجهيزات الحياة المدنية العادية، وسيستغرق الأمر أكثر من جيل حتى يستطيع المجتمع أن يستعيد هويته.

لهذا السبب أيضا علينا أن نأسف على الأزمة المستمرة في بلدان مثل العراق وسوريا اللذين يدور فيهما صراع عنيف ويحاول متشددون متطرفون أن يطيحوا ليس بالدولة فقط، ولكنهم يسعون أيضا إلى هدم التراث الحضاري والثقافي لهذه المجتمعات. وبشكل خاص، نحن قلقون من التقارير من تدمير الآثار والمباني الحضارية والمدنية، حيث تتحدث التقارير عن إحراق مكتبات ومهاجمة جامعات ومدارس وإجبارها على أن تغلق أبوابها. وما يزيد الأمور سوءا هو أن هذا الدمار يسببه الطرفان: المتطرفون الذين اختطفوا اسم الإسلام ليقوموا بأمور لا علاقة لها بالإسلام مثل قتل السجناء والمدنيين؛ وكذلك الرد الدولي الذي يأتي في شكل حملة قصف جوي. الأثر المشترك لهذه العوامل يعني أن ملايين الناس في العراق فقدوا حياتهم الطبيعية ولم يعد بإمكانهم ممارسة حياتهم العادية كما كانوا يفعلون من قبل.
العالم الإسلامي بشكل خاص يقف مذعورا بسبب قيام المتطرفين باختطاف اسم الإسلام وارتكابهم كل هذه المجازر التي تدمر الإرث الثقافي لهذا الدين الحنيف، ولذلك فإن كثيرين من العلماء رفضوا تسميتهم بـ»الدولة الإسلامية». ولكن السؤال الأعمق هو: هل هؤلاء المتطرفون يلاحظون بالفعل خطورة ما يقومون به من أعمال والنتائج البعيدة المدى لها؟ وهل يعتقد المجتمع الدولي بشكل جدي أن إضافة المزيد من القنابل والقصف الجوي إلى المعادلة سيعيد الأمور إلى نصابها في وقت قريب؟
دعونا نكون واضحين حول هذا: العراق، مثل أفغانستان والدول الأخرى التي تأثرت بالخطر الراديكالي، هو بلد لم يعرف السلام على مدى عقدين من الزمن. منذ حرب الخليج الأولى حتى الآن، يتعرض الشعب العراقي للقصف والغزو ويعاني من الأعمال الإرهابية وإجراءات مكافحة الإرهاب على حد سواء. ومع أن الخسارة في الأرواح كانت كبيرة، إلا أننا بحاجة لحساب التكلفة التاريخية – الاجتماعية طويلة المدى على الشعب العربي والحضارة العربية أيضا.
بعد غزو العراق، كانت هناك أنباء عن تدمير وسرقة متحف بغداد، حيث ضيع بعض المدنيين والمسلحين على حد سواء ثروة البلد من أجل محاولة بيع الآثار والحصول على الثروة. أُحرقت المكتبات العامة وضاعت كتب تاريخية ودينية لا تقدر قيمتها التاريخية والفنية بثمن. ما استغرق قرونا لبنائه ضاع خلال سنوات قليلة، ووصل الأمر الآن إلى حافة الكارثة التاريخية بسبب أعمال العنف التي يقوم بها المتطرفون الذين يستهدفون المحامين والناشطين والعلماء وكبار المسؤولين. بغداد، التي كانت يوما جوهرة الحضارة الإسلامية والعربية، أصبحت على حافة الدمار. حتى لو عاد السلام في يوم من الأيام إلى الدول التي تأثرت بأعمال العنف، فهل نتوقع فعلا أن تعود عظمة الحضارة العربية أيضا؟
لماذا؟ على أي أساس؟ كيف يمكن لإنجازات الحضارة العربية العظيمة أن تُعرض لفائدة العالم والجيل القادم إذا كانت المكتبات والمتاحف والجامعات قد سُرقت وأُحرقت؟
علينا أن نعي أن هؤلاء المتطرفين المسؤولين بشكل مباشر عن أعمال العنف في العراق وسوريا لا يختلفون عن الخمير الحمر، وأن لديهم نموذجهم الخاص المعادي للفكر والإرث العربي المشرف، وأنهم مسؤولون أيضا عن سقوط الحضارة العربية اليوم.
بالنسبة لنا في جنوب شرق آسيا، حيث نواجه المهمة الشاقة في إقناع المسلمين العاديين أن التشدد وأعمال العنف ليست الحل للمشكلة، نحن بحاجة أن نقول لهم ما يلي أيضا: بالذهاب إلى أماكن مثل العراق وسوريا للمشاركة في أعمال العنف والدمار هناك، أنتم في الواقع تساعدون وتحرضون على انتشار الفوضى والاضطرابات في العالم العربي، وبذلك فإنكم تُعفون قوة الدول العربية أكثر فأكثر. حتى لو نجحت مثل هذه الحركات المسلحة، فإن ذلك سيكون على حساب دمار المجتمع العربي، ومؤسساته المدنية، وتراثه التاريخي والثقافي العظيم.
لمصلحة من يحدث كل هذا؟ أليس المتطرفون أنفسهم مجرد أدوات يستخدمها الآخرون لتدمير الحضارة العربية؟

- مؤرخ وأستاذ في العلوم السياسية (نيو ستريت تايمز)