قصة مدينتين
الثلاثاء، ٤ نوفمبر ٢٠١٤في حقبة من الزمان، كان للأدب السياسي من التواجد الفاعل ما يمكن أن يجعله تاريخًا بحد ذاته، ففي رواية (حكاية مدينتين)، كان الكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز يخطف الأنفاس أسبوعًا بعد أسبوع أثناء نشر روايته على شكل أجزاء أسبوعية بلغت 31 جزءا بداية من أبريل 1859.
والرواية تحكي قصة مدينتين أوروبيتين (لندن وباريس)، واللتين تعتبران محورين لفترة الثورة الفرنسية، التي أثرت بأحداثها في المسارات السياسة والاجتماعية الأوروبية، والعالمية على وجه السواء.
وحيث إن الثورة قامت بأسباب انتفاض الجياع والفقراء والطبقة المهمشة من صغار الفلاحين على الطبقة الثرية من البرجوازيين الفرنسيين، فقد عمت الفوضى، وخرج الوضع عن العقل والمنطق، حين قام الثوار بخلق عبثية قبيحة لم يكن لها أي مبادئ منطقية، فلم يُفرق الثوار بين الطيب والشرير من بين الأغنياء، ليعم الشر، فكان يكفي أن تكون غنيًا لتحصل على شدة الانتقام من الثوار الفقراء.
وقد أبدع الكاتب في تصوير شخصيات روايته، وبرع في استخدامهم لتبيين الحال كما كان بلغة أدبية رفيعة وربط درامي شبيه بالحقيقة، جعل من هذه الرواية الأكثر تدريسًا في المدارس الثانوية في كثير من دول العالم المتقدم حتى اليوم.
التميز هل جاء من الكاتب، أم من الأسلوب، أم المصداقية، أم من اللغة الرصينة، أم من غرابة الأحداث حينها، وقلة المراجع، التي كانت تنقل الأحداث التاريخية كما هي؟.
من البديهي أن يقول قائل إن كل تلك العوامل مجتمعة هي ما أدى للتميز؛ ولكن ماذا عن أحداث عالمنا العربي الحالي، وماذا عن بشاعة ما يحدث، وماذا عن مصداقية وتأثير ما يمكن أن ينقل أدبيا، ونحن نرى بأم أعيننا كل الأحداث، أو أغلبها، ولا نملك حتى أن نصدقها، إما لغرابتها، وإما لكثرة التشويه المتعمد من وسائل النقل، سواء كانت قنوات إعلامية رسمية، أو حتى من وسائل تواصل اجتماعي مزاجي عنصري مؤدلج مزور كاذب، لم يعد أحدًا يثق في مصداقيته.
ثم ماذا تركت لنا الذائقة الأدبية لنقرأه، وجميع من يريدون أن يكتبوا في السياسة سيكتبون، وسيكون أغلبهم من كبار الأثرياء، الذين سيجدون من يكتب لهم، ومن يشعر عنهم، ومن سيربط الأحداث العظام بهم، أو يدس بهم وسط الأحداث، حتى يُبرز مكانتهم وتأثيرهم، حتى ولو كانوا ممن تجري تحتهم المياه، وهم لا يدرون بأن الكل يدري.
واللغة كيف ستكون مؤثرة، وهي مختلفة عن لغة من يحكي، والقواعد مخترقة بالقوة، وبالعين، التي لا تخجل.
تاريخنا العربي الحالي رغم أحداثه الجسام، ورغم غرابة ما حصل به من بشاعات، وشذوذ، إلا أنه يظل متشحًا بالكذب، فلا تمتلك أن تحصل منه حتى على العبرة.
الحقيقة الضائعة، لا تؤدي لتطوير، ولا لتحسين، والنصرة فيها لمن يسفك الدماء الأكثر، ومن يزور ويكذب أكثر وهو يكتب تاريخ مدننا العربية التعيسة.