بوابة التأثير

جاء في شريعتنا من الحث على الخلق نصوص كثيرة جدا، وعلى صيغ مختلفة متنوعة تتسلل إلى نفوس الناس إغراء لهم بهذا المقام الجميل الرفيع ونقلا لهم من قبح الحال والمقال إلى الجمال الحقيقي الذي يحلق بالإنسان في مدارج السمو والرفعة حتى لا يقف به الأمر إلا على مقاعد رفيعة منعمة بأقرب مجلس منه صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم.
وحث الإسلام على الخلق الحسن تجلى وظهر في أمره المباشر به وترتيب الأجر عليه ابتداء من أدق التعاملات الإنسانية المعتادة من خلال المقابلة الحسنة بالابتسامة ثم بالسلام وانتهاء بالأدب والخلق المانع من الظلم والتجبر والتكبر والغلظة في القول والدافع لطاعة الله ومرضاته.
وما كان ذلك إلا لأن الحياة لا يمكن أن تستقيم أو تطيب إلا حين تحسن الأخلاق وتسمو وإلا فإنها ستغدو جحيما لا يطاق، ومن الأخطاء الشائعة عند وصف منظومة تشريعات الإسلام وشمولها لجوانب المعاملات وأحكام الأسرة والعقوبات ألا يذكر أن من أصول الإسلام التي لا تنفك عن ذلك ما جاء به من ضوابط أخلاقية حاكمة على السلوك كله في تلك الجوانب الماضية وغيرها.
وهذا الجزء الأصيل في تشريعات ديننا هو العمق الحاضر في كل أحكامه، وهو الإطار العام الذي يصبغ حركة المسلم ليجعله يتحرك في دوائر الإحسان ومنازله العليا، وهو الذي نتخلص به من جفاف الحياة وصحراويتها، وهو أحد أسرار الجذب لهذا الدين الذي وفق بين النظام الضابط المتصل بالآخرة وبين الواجبات الأخلاقية التي تحكم المنضبطين به بحيث لا يرون أنهم في حل من تركها.
وإذا كان الإسلام إنما انتشر في مراحل عديدة من حركته التاريخية والجغرافية بأثر من أخلاق حامليه، فإنه اليوم إنما بعد عن تلك الدرجة من التأثير بسبب أفعال وأخلاق حامليه أيضا، وللتذكير فقط فإن أعظم المؤثرات التي هيأت البيئة المناسبة لدعوته صلى الله عليه وسلم لقومه ما عرف به من خلق رفيع يمتنع معه أن ينسب إلى الكذب في البلاغ والرسالة ولولا هذا لكان لقريش ومن معهم مستمسك يصدون به عن دعوته ودينه بادي الأمر ولكان قولهم في ذلك مؤثرا حقا.
والمقصود هنا أن نعي عمليا أن ديننا هو الخلق العظيم الذي تبحث عنه البشرية وطلاب الحق من كل ملة ومذهب وأن غياب هذا المعنى عند تقديم الإسلام سيحجب الحق عن كثير من طالبيه الباحثين عنه، وأن طريقتنا في الحياة بالإسلام بنظامه وأخلاقه هي بوابة الدعوة الحقيقية للإسلام التي ستفتح له مغاليق القلوب.