هل تحمل صفقة النووي الإيراني مع الغرب بصمة روسيا؟

تباين مواقف روسيا والولايات المتحدة حول سوريا وأوكرانيا في الفترة الأخيرة، وهو ما ظهر كامتداد للحرب الباردة (التي انتهت بالفعل عام 1989)، لا يشير بالضرورة إلى خلافات دولية مستحكمة بقدر ما يكشف عن إعادة ترتيب لتوازنات مقبلة.


أسباب محورية

وبالتالي من الخطأ أن نركن إلى التحليلات التقليدية والتفكير بعقلية الحرب الباردة أو الثنائية القطبية التي امتدت من نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 وحتى نهاية 1989، ذلك لأن روسيا التي كانت العدو الأول لأمريكا قبل 1989، أصبحت شريكا رئيسا للولايات المتحدة، حتى ولو فرضت العقوبات عليها بسبب أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، فهي سحابة عابرة، فرضتها (صيرورة العولمة) وسرعة التحولات وسخونتها، وذلك لعدة أسباب منها:

1 - الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تنتهي رئاسته لروسيا عام 2018 هو الذي نجح في إنجاز أصعب التحولات الاقتصادية مع الولايات المتحدة بعد عقدين من المفاوضات، حيث انضمت روسيا للمرة الأولى لمنظمة التجارة العالمية، بعد تصويت الكونجرس على منحها علاقات تجارية دائمة.
2 - تعد روسيا شريكا لا غنى عنه للولايات المتحدة بل وفي مقدمة الشركاء الاستراتيجيين فيما يخص المصالح الأمنية في نصف الكرة الأرضية الشمالي، حيث تُستَخدَم الطرق الروسية والسكك الحديدية والمجال الجوي لنقل أكثر من نصف تعداد القوات الأمريكية والإمدادات العسكرية اللازمة لجهود حلف الناتو.
الأهم من ذلك أن روسيا هي لاعب محوري في القضايا العالمية وأهمها الأمن النووي، سواء كان ذلك متمثلا في منع الانتشار النووي أو تعزيز سلامة وأمن المواد النووية، أو اتخاذ خطوات معقولة للحد من الترسانات النووية المتضخمة وتجنب احتمال حدوث سباق تسلح في المستقبل، على الرغم من عدم الاطمئنان الأمريكي للخطط الحالية الروسية لدفاعات الصواريخ الباليستية في أوروبا.
3 - على العكس تماما من الخلاف الظاهر في العلن بين روسيا والولايات المتحدة، فإن الدور الذي تلعبه كوسيط دائم في إدارة الصراعات والتسويات أو تعميق الأزمات الإقليمية، لا يمكن أن تقوم به قوة إقليمية أخرى في أوراسيا (أوروبا وآسيا).
فقد سبق وأن وافقت روسيا على عقوبات دولية ضد التكنولوجيات الخطرة ذات الاستخدام المزدوج، كما ألغت بيع صواريخ متطورة للدفاع الجوي لإيران، وفي سبتمبر عام 2010 ألغت روسيا صفقة صواريخ (أس – 300)، تطبيقًا لقرار مجلس الأمن رقم 1929 الصادر في 9 يونيو من نفس العام.


التهديد الإيراني

وإذا كان التهديد النووي الإيراني مبعثا للقلق الدولي إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا وبعض دول الخليج، فهو بالضبط ما يجمع كل هذه الأطراف بموسكو، لأن روسيا أكثر الدول شعورا بالقلق المتزايد من طموحات إيران النووية بالمنطقة، التي تتجاوز بحر قزوين والقوقاز ووسط آسيا، روسيا في النهاية لا تريد منافسا إقليميا لها في المنطقة.
أضف إلى ذلك أن علاقة الولايات المتحدة بروسيا تمتد إلى ما هو أعمق، ذلك أن موسكو من الناحية العملية هي قناة غربية مفتوحة على الصين وكوريا الشمالية فضلا عن خبرتها الطويلة بشعاب ثلاث قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا.
اليوم تجري مناقشة بين الولايات المتحدة والمفاوضين الإيرانيين لتسوية قضية قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، حيث تشترط إدارة الرئيس أوباما على إيران تقديم تنازلات للحد من “قدرة الاختراق” الإيراني وذلك بفرض مجموعة من القيود على أعداد أجهزة الطرد المركزي وخفض مخزون إيران من اليورانيوم منخفض التخصيب، بدلا من قطع أجهزة الطرد المركزي وحده.
استعداد إيران لإرسال كل من مخزونها الحالي من اليورانيوم منخفض التخصيب، واليورانيوم المخصب حديثا إلى روسيا لتحويله إلى وقود لمحطات الكهرباء لفترة زمنية متفق عليها لسنوات مقبلة، هو قيد التباحث اليوم.


نهج جديد

هذا النهج الجديد - كما يقول جاريث بورتر في مقاله “الصفقة بين إيران وروسيا لتسوية القضية النووية” قد يسمح لإيران بالحفاظ على شيء قريب من المستوى الحالي لعمل أجهزة الطرد المركزي.
وفي أول إشارة رسمية لتأكيد هذا المنعطف الجديد في المفاوضات، اعترفت المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية مرضيه الأفخم في مؤتمر صحفي في 22 أكتوبر الماضي، أن المقترحات الجديدة تجمع بين الحد من أجهزة الطرد المركزي ونقل مخزون إيران من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى روسيا، مطروح على طاولة المفاوضات النووية.
وعلى الرغم من أن ويندي شيرمان وكيلة وزارة الخارجية التي تترأس الوفد الأمريكي في المفاوضات النووية، لم تشر علنا لنهج التسوية، ولكنها ألمحت إلى ذلك عندما قالت 25 أكتوبر الماضي: إن الجانبين “حققا تقدما رائعا للقضايا التي بدت مستعصية في الأصل”.
لكن الأمر المؤكد في كل ذلك هو أنه لا يمكن أن تفاوض إيران على هذا الترتيب مع مجموعة الدول 5+1 دون التوصل أولا إلى اتفاق مع روسيا، لا سيما وأن إيران وروسيا لديهما بالفعل اتفاق تجاري لتوفير الوقود الروسي لمفاعل بوشهر الإيراني حتى 2021.
إيران بحاجة ملحة للمساعدة التقنية من روسيا، أما الولايات المتحدة فأوضحت أن إيران ستستمر في الاعتماد على روسيا في توفير الوقود لمفاعل بوشهر، حتى بعد العقد الحالي الذي تنتهي مدته في 2021.