الثورات ترسم خارطة الفنون العربية

الثورات تلقي بظلالها على جميع المجالات في البلدان التي حدثت بها، ويتضح تأثيرها بعد انتهائها على الفن والفنانين وهو ما حدث في الثورات العربية الكبرى مثل ثورة العراق عام 1958م وثورة مصر عام 1952، ويقرأ النقاد اليوم تأثيرها على مستويات فنية وثقافية مختلفة في عدد من الدول العربية.

 

 

 

  • « لم تكتمل ثورات الربيع العربي الآن؛ فهي ما زالت في مرحلة المخاض، فإما أن تنجح وتغير من حال بلدانها، وإما أن تفشل وتعود ببلدانها إلى ما قبل الثورات بعشرات السنين، ولهذا الأمر انعكاس خطير على المجتمع. فتونس حتى الآن ناجحة في ثورتها، وانعكس ذلك على فنونها. وفي سوريا ما زالت الأمور في ارتباك شديد لم يظهر في فنها اليوم، وسيظل الأمر هكذا إلى أن تخرج من كبوتها. أما في مصر فالأمر بين، الناس في انقسام كبير، فللمرة الأولى نجد شعباً منقسماً بين ثورتين، ثورة 25 يناير وثورة 30 يونيو، وكل منهما متشبث برأيه. فسمعنا أغنية «أنتو شعب واحنا شعب» وأغنية «تسلم الأيادي» مقابل أخرى «تتشل الأيادي». وعلى الرغم من أن الإعلام والأعمال الفنية والفنانين أنفسهم يؤيدون ثورة 30 يونيو إلا أن فنانين آخرين لا يعترفون بهذه الثورة ويطلقون عليها الثورة المضادة، وأصبح هناك شبه تعتيم على ثورة 25 يناير، التي تعد أساس الثورة المصرية. وسيظل الفن في مصر متأرجحاً لا قرار له ولا ثبات له إلا بثبات المجتمع ورجوع الأمن إليه وعودة مصر إلى هدوئها وطبيعتها».

الدكتور سيد علي - ناقد مسرحي مصري

 

 

 

  • «الفن، باعتباره فعلا ثقافياً واجتماعياً ومعرفياً، يؤثر ويتأثر بما حوله، ولكن في ما يتصل بما شهده الفضاء السياسي العربي خمسينات القرن الماضي، يبدو من الصعب الحديث عن تأثير ملفت للفن في ما جرى سواء في مصر أو العراق أو سواهما من بلدان عربية، إذ إن هذا الفن كان وقتذاك يحاول تثبيت مكانته وهو لم يتبلور بعد بالشكل الذي يمكنّه من لعب الدور المؤثر في المعطيات من حوله. أما في ما يتعلق بالتحولات التي عرفها المشهد السياسي في تونس ومصر وليبيا وسوريا أخيراً، فلا شك أن الفن العربي أثّر بشكل ما في مستوى القيم والثقافة، فلقد تربت أجيال عدة على خطاب فني عربي تقدمي نادى بالديمقراطية وحرية التعبير والعدالة الاجتماعية، إلا أن ما شهدته تلك المجتمعات أخيرا لا يمكن حصره في هذه الصورة البهية إذ إنه لم يسلم من الخطابات الرجعية المؤسسة على نزعات عرقية وطائفية ودينية متشددة».

عصام أبو القاسم- ناقد مسرحي سوداني

 

 

 

  • « يتضح أثر الثورات العربية الكبرى في القرن المنصرم، في انفتاح في الرؤى وتوسع أفق الإدراك العربي لدى الفنان والمثقف ودمجهما بالمجتمع المتبدل باعتبارهما أداة للإصلاح، عبر المقالات الصحفية والنصوص المسرحية والعروض الداعمة للتحرر والمناهضة للرجعية. ومثال على ذلك، كتابة يوسف العاني لمسرحية «آني أمك يا شاكر» والمؤرخة لأحداث ثورة 1958 في العراق، وكانت لسان المثقفين والفنانين العراقيين في الدفاع عن منجزات الثورة وحقهم في العيش الحر الكريم. وثمرات تلك الثورة تبينت في تضاعف الإنتاج المسرحي والتلفزيوني والإذاعي وعدد الفرق المسرحية في العراق وكذلك في افتتاح معاهد وأكاديميات للفنون، ثم أدى فيما بعد النضوج الفكري السياسي إلى ازدهار الحركة الفنية والتي بلغت في تلك الحقبة أوجها. أما الفوضى الجديدة والتي تسمى مغالطة «بثورة» أو «ربيع عربي»، فقد جاءت ككارثة على الفن والفنانين، حينما صدرت ما يسمى بمفهوم «الإسلام السياسي» في المشهد السلطوي، والذي كان من نتائجه تجريم الفن وتعطيل دوره في نهضة المجتمع، في ظل أوضاع اجتماعية متفككة وأوضاع سياسية واقتصادية وأمنية غير مستقرة.»

أحمد الماجد - كاتب مسرحي عراقي

 

 

 

  • «ما حصل في تونس وليبيا وما يحصل الآن في سوريا واليمن هو أسبقية زمنية للثورة الاجتماعية والسياسة على الثورة الثقافية، ولذلك يمكن القول أن المثقف العربي اندفع مع التيار الثوري ولم يكن هو المولد لطاقتها. غير أن هذا الموقع الاستثنائي له لم يمنعه من المساهمة في تحقيق الثورة والاستفادة منها. ومن أهم مكاسبها كسر قيود الكلمة والفكر، إلا أنه تزامن مع ظهور رقابة جديدة ذات مرجعيات مختلفة مثل «التشدد الديني» أو «التعصب الحزبي» وجميعها ظرفية وفي طريقها إلى الزوال. والمثقف العربي في الوضع الراهن وجد نفسه للمرة الأولى يمتلك مصير فكره فهو غير ملزم برد الجميل لأي كان وخدمة من كان، و الالتزام الوحيد لرجل الثقافة الآن هو أن ينهي بقلمه وريشته وعدسته وفنه رسم الدرب الذي شرع المواطن العادي في تحديد ملامحه وبالتالي ختم ما شرع فيه «البطال» و»المهشم» وكل من اختنق بسلاسل الدكتاتورية من أجل غد أفضل».

سامي البحري - مخرج تونسي