تونس الناجية من الفوضى
الأحد، ٢ نوفمبر ٢٠١٤
ربما كان رسوخ مؤسسات الدولة والمجتمع، في تونس، واتساع دائرة المجتمع الأهلي، هما خشبتا النجاة، التي انعكست فوزاً لمنافسي «النهضة». فبعد ثورتهم السبّاقة، ها هم يسجلون أسبقية أخرى، لم يظفر بمثلها أي شعب انتفض بعدهم. والسبب أن الحاكم نفسه، الذي طالبوا بخلعه، اختصر طريق الآلام، وأن المؤسسات القائمة مع المجتمع المدني عندما اتخذت قرار التغيير، كانت تعرف بئر البلاد وغطاءه، وتعرف ماذا تخشى وكيف تنجو البلاد. وبعد إطاحة بن علي، جاء المنفيون وهم من كل المشارب، ودحرجت الخلايا النائمة الحجارة عن قبورها وخرجت، فانتشت في البداية وتنططت، لكنها اصطدمت بمجتمع تونس الأهلي وبإدمانه على الحياة في ظل مؤسسات الدولة وعناصر هيبتها وتنوع المجتمع.
كان الشيخ راشد الغنوشي، مضطراً إلى الاستهداء بتاريخ تونس وبتجارب أعلامها وبما مروا به من ضرورات وفاق وإخاء. والتونسيون عريقون وضليعون في السياسة والفكر، ولشروحات الدين والاجتهاد، عندهم، وجهة وسطية محببة وآسرة لا تعرف الغلو. وديننا الحنيف، بطبيعته، يمدنا بنظام أخلاقي لا مكان فيه للغلظة والتطرف. فقد توالى على البلاد، منذ القرن التاسع عشر، مصلحون مرموقون، أولهم الشيخ محمود قابادو، الأندلسي الأصل، الذي أصبح مفتياً للديار التونسية، قبل أن يغادر موقعه كمعلم في جامع الزيتونة. كان الشيخ قابادو، أحد الأفذاذ الذين ساندوا الدستور المدني الأول في العام 1861، ومعه الفقيه الإصلاحي المجدد الشجاع الشيخ سالم بوحاجب، الذي أعجب به الشيخ محمد عبده واقتدى به. ففي تونس كان الأخيار والألمعيون، يتفقون على رفع شأن بلادهم وعلى صون مصالحها. وقد ترك أحد أعلامهم، وهو خير الدين التونسي، كتاب «أقوَم المسالك» الذي صدر في مطلع ستينات القرن التاسع عشر، قاوم خير الدين الحكم ورفض ممارسات وزير المالية ومنع استدانة الدولة من المرابين الأوروبيين ثم استقال. كان للدولة احترامها وللمصالح الوطنية علوّ شأنها!
قاوم التونسيون جميعاً خفافيش الظلام الذين يريدون إطاحة الدولة. لذا فإنهم يحصلون جميعاً على الحق في المنافسة النزيهة التي ظهرت نتائجها عبر صناديق الاقتراع. كانت هناك 1327 قائمة تمثل 120 حزباً في 33 دائرة انتخابية، واقتسم الفائزون المقاعد الـ 217 وتصدر «النداء» قائمة الفائزين، لإنقاذ تونس من الفوضى ومن مصادرة أي حزب للدين ومن تنصيب أي طرف لنفسه، وصياً على الإيمان. أما الخاسرون فإنهم همسوا لأنفسهم: حظ أفضل في المرات السابقة، ولكل مجتهد نصيب!
بدأ في تونس حراك التحالفات. يسعى الصغار الذين حصلوا على مقاعد لا تصل -أو لا تزيد- عن عدد أصابع اليد، إلى الفوز بأدوار مدركين لأهميتهم في معركة تشكيل الحكومة. فـ «نداء تونس» الفائز له العدد الأعلى، لكن العدد ليس وازناً في مجلس النواب، لذا فإنه يريد أن يتكئ على عدد من الأحزاب ذات الحصاد القليل. أما «النهضة» الإخوانية، فعلى الرغم من براعة خطابها، فإنها تنطوي على نسق مختلف ويصعب التحالف معها رغم قوة حضورها في الريف التونسي. وأغلب الظن أن المذعورين منها سيلتحقون بـ»النداء». أما النهضة نفسها، فإنها تتطلع إلى انسداد أمام تشكيل الحكومة، باستنكاف الصغار عن المشاركة، وصولاً إلى إعادة الانتخابات، وهذا مستبعد.