حقائق عارية

ما أقصده هو تلك الحقائق العارية التي نراها يوميا من بعض الأفراد في مجتمعنا، وهل المقصود بالعارية هنا كونها عارية من التزييف والمجاملات أم لأنها لا تكتسي بالخداع.
سأسرد عليكم بعض الصور العارية على سبيل المثال لا الحصر ولكم أن تصدقوا تلك الصور فهي موجودة.
فقد يتعرى المسجد عندما تختفي صفوف المصلين منه طيلة العام ما عدا في شهر رمضان، يتعرى الأب عندما يتهرب من مسؤولياته تجاه بيته وزوجته وأبنائه، تتعرى الأم عن دورها عندما تهمل بيتها وزوجها وتربية أبنائها التربية الصالحة، فينشأ عنها جيل متعر أخلاقيا وسلوكيا فتتعرى الفتاة بسوء أخلاقها وتلاشي حيائها، ويتعرى جمالها الرباني عندما تغطيه بطبقات من المساحيق، ويتعرى الشاب عندما يتنصل من رجولته وشهامته، تتعرى الطرقات بكثرة حفرها ومطباتها وعدم استوائها، يتعرى التعليم بعدم وجود معلمين أكفاء وطلاب مجتهدين، تتعرى المهن والوظائف من الجودة والجدية والإتقان عندما تفتقر إلى الإخلاص والتفاني في العمل، وعندما يتنصلون من الأمانه المهنية، تتعرى العلاقات عندما تسقط الأقنعة ونعلم حينها كم كنا مخدوعين لمن أعطيناهم الثقة على مر السنين.
تتعرى الروح عندما تفقد الطمأنينة والسلام بتركها ذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، حتى الأماكن تتعرى عندما تختفي منها الأشجار والأزهار، تتعرى المصداقية والشفافية عندما ننتقد المرافق العامة والإدارات والمدارس والمستشفيات بالسوء ونحن من ساهم وشارك في حالها بسلبيتنا.
علينا ألا نكون كتلك المجتمعات العارية التي قضت نصف عمرها في إخفاء عيوبها وما تبقى لها من عمر أضاعته في تعرية أخلاق وتصرفات الآخرين. لماذا هذا التشويه الاجتماعي الذي نتوارثه جيلا بعد جيل ونورثه للأجيال القادمة! أما آن الأوان أن نخرج من هذه الدورة الدنية المزروعة في دماغنا ونستبدلها بدورة راقية هادفة لمجتمع أفضل وأفراد أنجح وأنفع؟
لا نريد أن نكون مجتمعا عاريا من القيم الابداعية والابتكارية، غارقا في الشره الاستهلاكي، دائما نبحث عن كل جديد لنقتنيه ولا نكلف أنفسنا أن نفكر ونبحث ونخترع ونبدع، فقط ننتظر ما يبدعه الآخرون دون تمحيص أو تروٍّ، ونركض لامتلاكه، لا نريد أن نكون ذلك المجتمع الذي يتحدث عن الحضارة والتقدم ولا يسهم في إحداثها أو تطورها.
هذا غيض من فيض، فصور التعري تلاحقنا أينما ذهبنا فيكفينا تعريا، نود أن نكتسي داخليا وفكريا وضمنيا، فلا يكفي الكساء الخارجي الظاهر للعيان، بل نريده قلبا وقالبا.
كل ذلك لا يعرينا من مسؤوليتنا أمام أنفسنا والخلق والخالق، في تحقيق سبب وجودنا على البسيطة، فالخلافة أمانة حملها الإنسان، وعليه أن يكون جديرا بحملها لا متعريا عنها.