غزوات كورونا.. والذي ينسى!!
الجمعة، ٣١ أكتوبر ٢٠١٤
حبسنا أنفاسنا العام الماضي، وتغلغل الذعر في قلوبنا حين اكتشفت وزارة الصحة حالات مصابة بفيروس “كورونا”، والمؤسف أن العاملين في القطاع الصحي كانوا أول المتضررين من هجمته الشرسة التي كانت من سابع المستحيلات في وجدان رجالات الصحة؛ ربما لأنهم يؤمنون بحصانتنا في (فرن) جزيرة العرب من انتشار الفيروسات. فانكشفت سوأة التدابير الوقائية في المنشآت الصحية، وراحت أرواح البعض ضحية للإهمال والتكاسل عن اتباع الإجراءات الاحترازية من العدوى.
ولأننا شعب طيب أبيض القلب، ينسى ليعيش ويعيش لينسى، فقد فوضنا أمرنا إلى الله، وعشنا حياتنا، لا شأن لنا بـ”كورونا” وأخواته، فالعاملون في القطاع الصحي يسهرون على راحتنا وأمننا منه ومن أمثاله من الفيروسات المتربصة بحياة الكائنات الحية، فكانت الصفعة قاسية على قلوبنا الصغيرة ووزارة الصحة تعلن عن حالات مصابة مؤخرا بفيروس كورونا في الطائف، وليست هنا الصفعة، بل في كون الحالات ومنشأ العدوى يبدأ مشواره الجديد أيضا في المؤسسات الصحية. فثبت بما لا يدع مجالا للشك أن العاملين فيها مثلنا أيضا (ينسون ليعيشوا) فقد تناسوا ما حدث في جدة، وخدرهم صمت الوزارة حتى فاجأهم “كورونا” في عقر دارهم، يجندل العاملين في المستشفيات والمراجعين دون تفرقة أو مبالاة، أو هيبة للباس الطبي المعقم بختم الوزارة، وربما تنشره مستشفيات أخرى بعد أن ننسى.
تربط وزارة الصحة بين فيروس كورونا والإبل من بداية اكتشاف الحالات، فآخر بيان لوزارة الصحة عن حالات الطائف يوم الاثنين الماضي يؤكد أن أساس العدوى للحالات الأخرى كان من مخالِطٍ للإبل، وقرأت قبل ذلك عن تعاون وزارتي الصحة والزراعة في فحص الكثير من الإبل، لكن اللافت أن الموضوع لم يأخذ منحى الوقاية الاحترازية الحقيقية، والتحرك الذي يضمن حماية الناس من الإبل ومخالطيها حتى تثبت الفرضية أو تُنفى، فلم أسمع أو أقرأ أو أرى في المنام حملات شاملة وموسعة لفحص ملاك الإبل ورعاتها ومخالطيها، ولم أسمع بقرار منع تداول الإبل في الأسواق احترازيا، بل ها هي الملاحم متخمة بالبلدي والمستورد ورؤوس “القعدان”، ومطاعم “الحاشي” والمضغوط والكبدة مفتوحة “للأكيلة” والولائم الاجتماعية تتباهى بالحاشي “البارك” على أفخم التباسي، وحليبها الطازج بجفائه الكثيف محبب للكثيرين، ناهيك عن أبوالها التي يعتقد البعض بقدرتها العلاجية الخارقة. ولأن حياة مواطن واحد أغلى من ملايين “أم رقيبة” فما زلنا في حيرة يا أحبتنا في وزارتي “الصحراعة”: هل الإبل بريئة أم متهمة؟!
الأمر الآخر البعيد عن الإبل، هو البرود الإعلامي وضعف الدور التوعوي الذي يطمئن الناس أمام هذا الأمر الجلل الذي يتعلق بحياتهم ومن يحبون، فما دامت وزارة الصحة في بيانات بعض مسؤوليها تؤكد على البعد عن أماكن الازدحام، فماذا سيفعل طلابنا في المدارس والجامعات، خصوصا في مدينة الطائف التي يعاني معظم سكانها الآن من الإنفلونزا الموسمية، المصحوبة بقلق عميق وتوجس حاد من المصاب نفسه ومن مخالطيه، فما المانع أن تنسق الوزارة مع إدارات التربية والتعليم لتوعية الطلاب والطالبات وإرسال النشرات الخاصة والتحذيرية إلى ذويهم، وأن يبينوا لهم الأعراض الحقيقية للمصاب بفيروس من هذا النوع، والاختلاف بينه وبين الإنفلونزا العادية، فلا بد من وجود فروقات دقيقة يدركها المتخصصون، يجب أن يعلمها الناس حتى يحسنوا التعامل مع المصاب بالإنفلونزا أو غيرها.
أناشد وزارة الصحة والجهات المسؤولة بسرعة تفعيل وتكثيف التوعية عبر كل الوسائل المتاحة؛ فتوعية الناس عن طريقهم مهما كانت قاسية أو مخيفة أرحم مما يشاع في برامج التواصل الاجتماعي، خصوصا تلك الرسائل المجهولة التي يتداولها الخائفون عبر برنامج “الواتس اب” ويشيعها الكثيرون بحكم جهلهم وافتقارهم إلى المعلومات ذات المرجعية الرسمية الموثقة، الأمر الذي فتح باب التشكيك في معلومات وزارة الصحة وجنوحها إلى التحفظ مراعاة لأمور يتأولها أصحاب الشائعات، ويعللون ذلك بقلة توعية الجهات الصحية وصمتها المقلق.