من يهدم أسواق الخرافة ومن يبنيها؟
الجمعة، ٣١ أكتوبر ٢٠١٤
في الأسبوع الماضي تداول الناس مقطعاً مصوراً لمطوف دجال من المدينة النبوية وهو يجلس مع حجاج يشرح لهم قدرته في مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم يقظة وفي أفخم الفنادق!! ويعرض عليهم خدماته التي لن تكون مجاناً قطعاً لمساعدتهم في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وإمكانية الحوار الطويل معه.
أثار ذلك استغراب الكثير ودهشتهم حيال هذا الدجال الذي كان يتحدث بكل ثقة وهدوء، وقد أحسنت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المدينة المنورة بسرعة إلقاء القبض عليه وتسليمه للشرطة، وخاصة أن الموضوع أصبح رأياً عاماً وحديثاً للمجالس فقد نشر في عدد من القنوات والصحف واتضح أنه شخص معروف عمل سنين طويلة في إحدى مدارس التعليم المعروفة، وسارعت هيئة الأمر بالمعروف مشكورة بتصريح عن إلقائها القبض على الشخص، ولكن الصمت الغريب كان من وزارة الحج التي لم تتحدث عن تفقدها لأحوال المطوفين لديها، وهل هذا الشخص يمتلك تصريحاً رسمياً للطوافة؟ وإذا كان غير مصرح له فكيف استطاع الوصول لهؤلاء الحجاج المساكين؟.
لن أبحث عن المسؤول هنا وهل هناك أمثلة كثيرة أم إنها حالة فردية شاذة، ولن أبحث عمن يلقى العتب فالموضوع له جوانب متشعبة، فوزارة الحج ستلقي اللوم على الشؤون الإسلامية وهم بدورهم سيعاتبون الوزارة في عدم مراقبة المطوفين الذين يتبعونهم وهكذا سيتقاذفون الكرة والضحية هم الحجاج الأبرياء، وأما هيئة الأمر بالمعروف فكان الله لها وشكر صنيعها.
ظاهرة الحديث عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن وليدة اليوم، بل وصل الأمر لعدد من الخرافيين أن زعموا أكثر من ذلك، ومن قرأ كتب طبقات الشعراني أو المشرع الروي وغيرها كثير من الكتب الخرافية الضالة، يصاب بذهول من كذبهم ودجلهم وادعائهم القدرة على السفر من أقصى الأرض لأقصاها بخطوة واحدة ويسمونهم بأهل الخطوة! ولديهم القدرة على التشكل والظهور بمظاهر متعددة في وقت واحد وأماكن متباعدة، وعلى التحدث مع الحيوانات والوحوش والطيور بلغاتهم، ويزعمون أنهم يشاهدون الأنبياء ويعرجون للسماء لرؤية الله تعالى جل جلاله، وتعالى الله عن كذبهم وهرائهم، بل إنهم يزعمون أن لديهم القدرة على تفقد الجنة والنار وإخراج من شاؤوا منها؟؟
أسئلة كثيرة تطرح هنا: كيف عشعشت الخرافة في أذهان الناس؟، وهل الخرافيون يستندون لكتب ومذاهب أم إنهم حالات شخصية وأمراض نفسية طارئة؟ وهل هم خلايا متحركة وتنظيمات فاعلة؟ وهل الخرافيون لهم أوقاف وتمويل أم إنهم دراويش وفقراء كما يحلو لهم أن يسموا أنفسهم؟.
لقد عانى المسلمون كثيراً من طوائف الخرافيين على مر الدهور، فكان أرباب الخرافة يسارعون لتعظيم القبور وتشييدها والبناء عليها والطواف بها كما يفعل المشركون الأوائل، وكانوا يبالغون في كرامات الأولياء حتى جعلوهم أرباباً من دون الله فظهرت عبارة الشيخ والمريد وهي ترادف الشيخ والتلميذ، وأن الشيخ يعرف ما في قلب المريد وأن المريد لا يحق له الاعتراض على أفعال الشيخ، وأضلوا فئاماً كثيراً من المسلمين بقصص الكرامات والأولياء واخترعوا لهم أوراداً وطقوساً ما أنزل بها من سلطان، وظهروا بثياب الفقراء ولكن مطامع الدنيا غلبت عليهم فأكلوا أموال الناس بالباطل وبنوا الأوقاف الكبرى وشيدوا قلاع الجهل لمحاربة السنة، وقدحوا فيمن يخالفهم ووصفوه بأنه يكره الصالحين وأنه عدو للإسلام.
ربما لا يروق هذا الكلام لبعض المغترين بأخلاقهم أو يعتقد صلاحهم ممن تأثر بكتب الطرق الخرافية أو حضر بعض مجالسهم، ومعاذ الله أن نتهم الصالحين الصادقين، ولكننا نحذر من سلوك مذاهب الضالين المنحرفين، وقد أخبرنا رسولنا الكريم عن الخوارج بقوله «يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم وعبادته إلى عبادتهم ثم قال يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» فالعبرة ليست بمقدار العبادة، ولكن العبرة بموافقتها ما جاء بالكتاب والسنة، وعلى المغترين بهم أن يراجعوا أنفسهم وأن يعلموا أن العبرة ليست باتباع المشايخ والطرق المنحرفة بل العبرة بموافقة المرسلين الذين جعلهم الله حُجة للعالمين.