الذاكرة الثقيلة
الخميس، ٣٠ أكتوبر ٢٠١٤
حقاً إنها ثقيلة، تلك الذاكرة المحملة بأحداث التاريخ ومآزقه، والمعبأة بتراكمات الماضي أو بأوهامه، ذاكرة تحفظ الماضي وتحتضنه وتكرر إنتاجه في مراغمة بائسة لواقع مختلف وعالم متغير، ولو كانت تجهل التغير والاختلاف لكان لها نوع العذر، لكنها ترى التغير مؤامرة، والاختلاف استلاباً، على أنها في بعض حالاتها السطحية اعتبرت «قيمة كل امرئ ما كان يحسنه»، وبالتالي فهي تنتج ما تحسن وتلك هي قيمتها، بينما لا تشكل هذه المقولة الخاطئة سوى عائق للتفكير وحاجز عن الفعل، في الوقت الذي يقرؤها الفاعلون بأحرف مغايرة، إذ هي عندهم تُنطق وتفهم هكذا «قيمة كل امرئ ما كان يطلبه».
ثقل الذاكرة أصاب الإنسان والإنسان العربي بالذات في كل أبعاد حياته العلمية والعملية على حد سواء «الديني والسياسي والاجتماعي»، وهو وإن انعتق أو تخفف منه (اقتصادياً) نظراً لمتطلبات السوق وقوانينها التي تقضي بأن أية حالة من التأخر لا تساوي إلا الخسارة وربما الخسارة الفادحة، إلا أن الاقتصادي العربي نفسه لن يتم نجاحه مع تراجع الأبعاد الثلاثة السابقة واحتباسها في التأريخية.
لقد تأثرت القرارات السياسية والإدارية بالذاكرة الثقيلة، وانعكست تلك القرارات لتصب في تعميق الفجوة الرقمية بين واقع متسارع، ومستقبل يتحدى، وبين مرتهن بماضٍ لا يمتد لحاضر، وأفعال لا تؤثر في مستقبل.
كما تأثرت بثقل الذاكرة حالات إنسانية في النسيج الاجتماعي العام، أو الدوائر الاجتماعية الأصغر والأهم (الأسرة ومكوناتها) فكل واحد من الزوجين - مثلاً - محمل على شريك حياته وقرين وجوده بأخطاء وكلمات، وكما هي الحال بين الإخوة والأخوات.
كل ذلك يؤكد لي أن التخلف منظومة يأخذ بعضها برقاب بعض.
ويبقى السؤال الباحث عن الحل مفتوحاً ومطروحاً، وإذا كان لي أن أسهم في رؤيتي فإن ما نحن فيه هو تكون ثقافي، ولنداوها بالتي هي الداء.
وإن أكثر ما يؤرقني هو ثقل الذاكرة في الخطاب الثقافي أياً كان توجهه ونوعه، أو سطحيته وعمقه.
وما يجعل منتجات هذا الخطاب (عناوينها ومحتواها) تعبر عن هذا الثقل (الخطاب الثقافي) على وجه العموم، الديني في منابر الجمعة وعبر شاشات التلفزة المؤسلمة! أو المخرجات الكتابية المُديّنة! والثقافي الأدبي عبر محاضرات نوادي الأدب ومجالسه المثاقفة والتي غالباً ما تراوح مكانها مذ ولدت، وحتى الفلسفة في تداولها يكون الحديث عن محاولة إعادة الاعتبار أكثر منه لفهم مرحلتها الآنية الراهنة وقراءة تحولاتها وما وصلت إليه في هذا العصر وتصالحت فيه مع علوم الحكمة والعرفان، وما أنتجه هذا التصالح من ردم الهوة الهاوية بين العقل والوجدان (وهذا موضوع سأفرده بمقولة مستقلة)، وأما في الخطاب الثقافي الاجتماعي الشعبي فهو الدائر بين «السالفة والقصيدة» وذكريات أحاديث الحروب والغزوات ومعارك القبائل وصراعات الجيران! أما الخطاب الثقافي السياسي فهو يعيش هنا وهناك، ولأن هذه هي طبيعته ومهمته فالكلام معه أو حوله مما لا أحسنه.
وبالجملة لو أن جهداً مضافاً حاول طرح أسئلة الراهن، ناهيك عن أسئلة القادم، على هذه الذاكرة المثقلة، هل سيجد لديها أجوبة؟ أو سينتظر منها مشاركة ومفاعلة؟ أم إنها ذاكرة مشغولة بمخزونها القديم وليس بمقدورها إلا الدفاع عن نفسها، فأنى لها التشكل في مفاصل الحياة اليوم وتحولاتها؟! لن يعني كلامي هذا الفصل التام عن التراكم الذي نحن نتاجه، ولا يمكن لعاقل أن يتصور ذلك فضلاً عن التفوه به، كل ما أعنيه هو عيب الاحتباس في الماضي عن الراهن والقادم وتعويد العقول على التكرار بدل الإنتاج والفاعلية، على أن بعض الماضي يمكن تحويله إلى راهن يسهم في فهم الحاضر، ثم تجاوز ما لا ينفع ولا يرفع ولا يشفع.
ويظهر أن لدينا إشكالية في فهم مدلول «التأريخ»، كما أن لدينا إيماناً بحتميته، وننتظره دائماً أن يعيد نفسه، وما زلنا نتسلى أو نتعزى بأمجاد تغيرت مواقعها وتبدلت معالمها، فيما نحن نضيع الفرص السانحة عبر معطيات عصرنا، ونضيع أمام أجيالنا فرصة العبور إلى القادم من أيامهم التي يصنعون من أجلها تطلعاتهم وطموحاتهم، على أنني أراهن على هذا الجيل لمغادرة التأرخة والوجود في مواقع متقدمة يصنع من خلالها التأثير الحياتي.
فالوعي لا يتركنا في سبات.