في وداعها...

لعلكم سمعتم بقصة ذلك الكفيف الإنجليزي الذي فقد بصره على كبر، وفي آخر أيامه عكف لسنوات على طباعة مذكراته بنفسه، وأبدع في تدوين كل ما هو غريب، وسرد من القصص والأحداث والمشاهدات ما يجذب القراء، حتى اقتنع معه بأنه قابل لنشر رواية تباع في الأسواق.

لكنه مع الأسف بعد أن انتهى من كتابة روايته واتفق مع دار نشر على تفاصيل نشرها وذهب بأوراقها ليسلمها للمطبعة اكتشف أنها أوراق بيضاء وأن الطابعة بلا حبر.. هذا بالضبط شبيه بما حصل لي بالأمس.
فقد حبرت أجمل العبارات التي تصور المواقف والأحداث والمشاعر بما يجذب القراء ويقنع التحرير بأنها مقطوعة وليست صفصفة كلمات، فكنت تارة أكتب وأعيد وأزين وأنقح، وتارة أمسح الدموع عن وجهي وعن لوحة المفاتيح! حتى اقتنعت بأنني كتبت ما أسلمت معه بجماله، ثم ماذا: أغلقت الملف وأنا في حالة نفسية يرثى لها وبالخطأ ظهر على شاشتي (عدم حفظ التغييرات)! ولعل في الأمر خيرة.
ومما ذكرت أنني في آخر ليلة مع والدتي في العناية المركزة، كنت أرقيها وهي غائبة عن الوعي، وأنظر إليها وأبكي مع نفسي، وأنا أتوارى عن الطاقم الطبي لأنها لم تعد تردد معي آيات القرآن كما كانت، ولأن عيونها كانت مغمضة خارج نطاق الوعي، وكلما فتحتها بيدي مع الطبيب لم تكن تناظرني، ولم تعُد تمد يدها لتتلمس يدي وتهمس لتدعو لي وإخوتي كعادتها.
كل محاولات الأطباء لم تجد نفعا لإيقاظها من حالة اللاوعي... عندها شعرت بالفعل أنني أفقد أندر ما في هذا الكون، وأنني مقبل على مرحلة مخيفة من الفراغ العاطفي وبعد أن تلحق والدتي بوالدي وبينهما وقت قصير، خفت من شبح التباعد عن إخوتي بعد رحيل من كانت تجمعنا.
مرت خمسة أيام عزاء كانت نوبات الحزن تعاودني كلما نظرت في عيون إخوتي وأخواتي، وعندما اجتمعنا لتفريق حاجات أمي الشخصية حرصت على أخذ شيء قديم من متعلقاتها لأجد فيه رائحتها لأحتفظ به إلى الأبد، لكن الألم الأشد بعد ذلك هو ما بعد أيام العزاء، شعرت فيه بألم وحزن يعصر ويمزق قلبي آثرت معه الوحدة وأغلقت مكتبي على نفسي لأسمح لدموعي أن تتساقط.
كلام كثير كتبته... خيرة أنه لم يتيسر أمر نشره فيبكيكم وأنتم لا ذنب لكم لتشاركونا البكاء. اللهم اغفر لوالدينا ووالديكم وجميع موتى المسلمين.