عن الحالة التونسية

1- شهدت تونس لأول مرّةٍ الفوزَ طوعاً عبر صناديق الاقتراع ونأت بنفسها من أن تلتاث بإكراهات الغلبة من تحت وطأة:«البسطار»!

2- سيعلم الغربُ بأنّه ما زال في العرب بقيّةٌ يُمكن نعتُها بـ: «العقلاء» وأنّ العربَ مجتمعٌ صالحٌ لاستنبات: «الديمقراطية» وحسبك أنّ شهادة المراقبين وكّدت على أنّ ما جرى في: «تونس» كان انتخاباً حقيقياً لم تشنه أي محاولات عنفٍ «سياسيّ» فتكدّر بالتالي صفوه.
3- إنّها النّخب وحدها مَن يملك مفاتح النجاح لأي تجربة.. ويسعنا قراءة ذلك من خلال اليوم الأول الذي أبدت فيه النّخب التونسية استعدادها بقبول النتائج أيّاً تكن اتجاهات الفوز فيها.. هي إذن: «تونس» إذ تتجه نحو ديمقراطيّةٍ - ناشئةٍ- تشي بمستقبلٍ حافلٍ وواعدٍ بما هو أفضل شريطة أن تسلم من عقدة عربيّة تُعرف باسم: «الثورة المضادة»!
4- هل هو من قبيل المبالغة القول: إنّ تونس قد قاربت من تحقيق ثقافةٍ سياسيّة جديّة لم تألفها منطقتنا العربية- بعامة- وأنّها قد مضت باتجاه التعدّديّة وفق إطارٍ مبهج من حفظ الحريات وضمانات حقوق الإنسان والتعالي مِن ثمَّ على رِقٍّ يعيد استنبات عبودية الاستبداد كرّةً أخرى..؟!
5- حين نمضي أبعد من ذلك ونرجو لمثل هذه التجربة –الفريدة - من أن تُصدّق رهاننا عليها إذ نزعم بتوافرها على أهليّة ترشحها على القدرة بالحفاظ على هذا الخيار: «الديمقراطي» الذي ارتضته لها مسلكاً ودفعته تالياً باتجاه: (أسئلة الحريّة) بعنواناتها الأوسع دلالة من ضيق طبيعة النظام الديمقراطي وذلك أنّ «أسئلة الحرية» أرحب بكثير من صورية تطبيق الديمقراطية.. بالجملة هل مُضي القول من قبلي وعلى هذا النحو يُعدُّ حلما – ورديّاً -؟! سيقض مضجعه كابوس بدت مقدّماتها ظاهرةً في عودة ناعمة للفلول - على تعبير أحدهم - وهي ذات التكوين – المتجذّر- والذي يهيئها دوماً لاكتساب الخشونة فيما بعد لتكشر بالتالي عن أنياب وحشيتها..؟!
6- هذا الخيار: «الديمقراطي» إنما يُهدّد صموده من قبل طوائف كثيرة لعل من أبرزها ثنتان: أولاهما: إسلاميون ينزعون لحرمة الفعل وبطلان نتائج بالتالي... وهم ممن يناصبون الغنوشي وحركته العداء- ديانةً-!
وثانيهما: المنبعثون من العمق البورقيبي - من الداخل للمجتمع التونسي- وبخاصةٍ من الفئة التي هرمت وهي على رأس العمل في استبدادية - بن علي- ولربما أنه ما من مجافاةٍ للحقيقة إبان القول: إن غالبية شخوص حزب: «نداء تونس» قد خرج من قمقمة البورقيبي إذ استفادوا من رفض: «قانون العزل» في بدء نجاحات الثورة ورفض هذا الأخير هو من قد أفقد الثورة حصانتها.!
7- لئن كانت هي عودة حقيقية لـ: «فلول النظام السابق» بعجائزه الذين نبتت أجسادهم – على الظلم- فإنّي ألتمس العذر كلّه لمن يسخر من التفاؤل بنجاح هذه التجربة ويقطع جازما بمنتهى تشاؤمه إلى أنّ ثمّة انقلاباً يترصد هذا النجاح الذي لن يدوم طويلاً وإنما ينتظر انتهاء مرحلة: «الانتخابات الرئاسيّة» ليكون لـ: «تونس» عودة أخرى إلى ما كانت عليه في ماضيها السحيق ولا تسأل حينذاك عن العودة القهقرى لـ: «إنسان تونس/ مواطنها» إلى المربع ما قبل الأول..!
أيّ صدمة سيكون وقعها إذن لو كانت نهاية: «الثورة» في تونس على يد: «حزب نداء تونس»؟! قال آخرٌ: إنّ مما يخفف غلواء هذه الصدمة أنها ستأتي متناغمة مع ما يحدث في كلّ البلدان التي اجتالتها: «حمّى الثورات».!
8- أحاول الاستبعاد لهذه الرؤية «المتشائمة» حيال ما سيؤول إليه أمر الخيار: «الديمقراطي» غير أنّ هذا الفوز الأولي لهذا الخيار لا يمكن أن يأخذنا إلى مطلق التفاؤل حتى نرى الانتخابات الرئاسيّة كيف ستجري وعن أي شيءٍ ستتمخّض.
9- تهنئة الغنوشي لخصمه بادرة تجعلنا نتأكد: أنّ الخطاب السياسي إسلامياً قادر على أن يقدم نفسه بصورةٍ تشي بأنّ الدرس المصري قد تمّ استيعابه، وهي صورةٌ من شأنها أن تصحح جملة من أشياء مغلوطة في «الخطاب الإسلامي/ السياسي» وعنه. وبكلٍّ.. فقد يصح الزعم -جراء هذه التجربة- بتفوّق الإسلاميين على: «العلمانيين» وفي أكثر من حالةٍ ناجزةٍ شهد المحايدون بأنّ الإسلاميين بالفعل قد انحازوا لـ: «الديمقراطية» إذ ما لبثوا أن أثبتوا للجميع أنهم يجيدون الاحتكام بكل كفاءة لـ: «الصناديق» ويقبلون نتائجه.. وكانوا أكثر ديمقراطيةً من خصومهم: «العلمانيين».