الجوع الكافر... معنى يتجسد واقع الإنسان
الأحد، ٢٢ فبراير ٢٠١٥توسل أحد أفراد فريق عمل المسلسل التاريخي إلى المخرج وأقسم عليه بكل مقدسٍ لديه أن يسند إليه دور أحد الكفار في مشهد قد حفظ نصه عن ظهر قلب والذي عمد فيه أبو جهل إلى إقامة وليمة لصناديد قريش لبحث أمر الدين الجديد، ولكن مساعد المخرج تدخل في الحديث بين المخرج وهذا الممثل المغمور الفقير ناصحا أمينا وموجها حكيما قائلا له: يا بني! مظهرك يوحي بالطيبة والورع والإيمان، والأهم من ذلك ضآلة ونحافة جسدك وقلة الحيلة الظاهرة عليك من الجوع الكافر الذي أفضى بك إلى هذا الوهن.
أما أصحاب البطون السمينة والتخمة البدينة فهم أناس لهم أجسام كأجسام البغال وأحلام كأحلام العصافير، ويظهر على وجوههم غضب الله، فلماذا تركن إلى هذا الفريق المقيت من المغضوب عليهم؟
وبعد هذه النصائح الكثيرة التي تفضل بها مساعد المخرج على هذا الرجل المسكين، أبى واستنكف أن يسمع له صوتا أو نصيحة وأصر من شدة أنَّات الجوع التي تنخلع لها الروح والضلوع أن يسعى بشوقٍ محموم إلى لحم الضأن القرشي بعدما يقوم بدور أحد الكفار حتى يظفر بهذه الوليمة التي دعا إليها أبو جهل وجهاء القوم، كي يتسنى له التهام ما لذ وطاب من الطعام ومن الشراب وما تصل يديه إليه في خلسةٍ من القوم ومن المخرج ومساعده والعاملين والممثلين أجمعين.
وحينما جاء دوره في النطق بالنص المسند إليه في هذا العمل التاريخي انحشرت في بلعومه قطعة لحم بعظمها القرشي العتيد وحينما توقف التصوير لهذا العطل الفني غير المقصود اقترب منه أحد المراقبين للمشهد وسأله عن سبب انتقاله من صفوف المسلمين في المسلسل إلى تقمص دور لأحد الكافرين! فقص عليه القصص أنه في خصامٍ مع اللحوم منذ أمد بعيد حينما ارتفعت أسعارها وأصبحت حلما بعيد المنال، فاستحال هذا الحُلم في خياله وصار كالغول والعنقاء والخل الوفي، وأضحى كأشياءٍ لا وجود لها.
واسترسل في حديثه الإعلامي المهم مع أحد الصحفيين الشبان المراقبين للموقف عن كثب أنه لم يعرف للحم طعما منذ زمن سحيق لضيق ذات اليد، وأن ما يتقاضاه من أجر ضئيل للمدفوعين بالأبواب أمثاله بالكاد يسد به رمقه.
وهذا يعكس لنا عن الحالة التي يعيشها السواد الأعظم من البؤساء في شتى الأصقاع تحت خط الفقر الذي أصبح قرينا للكفر، ومن هنا علينا أن نقرر أمام كل داع للفضيلة كيف يدعو لها بين قوم أنهكهم الفقر والجوع والحاجة، فكيف ببطون خاوية تحدثهم عن الورع والزهد! وكيف بأجساد عارية تخاطبهم ناصحا بأن لباس التقوى ذلك خير! فمع ضيق ذات اليد والعوز تنتحر على أعتابها هذه المثل وتتلاشى وتذهب أدراج الرياح.
إن قانون الثواب والعقاب الذي انبثق من رحم الشريعة لتقويم العنصر البشري على جادة الطريق روح تعمد إلى بث الرحمة قبل إقامة العدل، ومن أبجديات تلك الرحمة أن يتم توفير سبل للعيش الكريم يقتات منه الكائن البشري (المكرم) في الأرض، وخصوصا أن هناك على ظهر كوكبه من يشكو زحمة التخمة ولذة الترف بإنفاق وسفه، وهناك كائن آخر لا يجد ما يمسك الرمق بل يئن من الجوع أنين الموجوع بين الأحراش والأرجاء والربوع.
إن روح تطبيق الحدود تربأ بمعناها الجليل أن تنزل عقابا بجائع سرق ليسد جوعته ويحمي نفسه من الشرى والموت جوعا، ومنهج سيدنا عمر رضي الله عنه في عام الرمادة خير شاهد على هذا الرقي والشعور الإنساني النبيل بمعاناة الآخر، وبرغم أن القصة التي تصدرت الموضوع درامية ولكنها أخذتني إلى بُعدٍ آخر ألا وهو أن الفقر قرينٌ للكفر بل هو أبٌ له إن جاز التعبير! وكما ورد في الدعاء النبوي الشريف: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر)، وقول الإمام علي رضي الله عنه: (لو كان الفقر رجلا لقتلته).
من هنا نرى في كثير من الأحيان أن الصراع البشري الأزلي قائم على القتال الشرس من أجل البقاء أي بقاء ولو على حساب فناء الآخرين.
وتطل علينا كذلك الطبقية التي خلّفتها مِنَحٌ وفرصٌ سخية لأناس على حساب أناس آخرين جعلت الصدور تتأجج غيظا وكمدا، وحِيك داخلها الكثير ضد بعضهم بعضا مما يولّد انفصاما في وحدة المجتمع وانتشارا للأوبئة البشرية والآفات المجتمعية من حقد وبغض واحتقان وحسد.
إن الشعور الإنساني العظيم بالآخر من خلال قمة العطاء والإيثار، هو من سنام مكارم الأخلاق التي بعث الهادي البشير ليتممها، فليس منّا من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم.
والمشهد الدرامي الذي ورد في مطلع المقال ليس تمثيلا أو موقفا دراميا فحسب إنما يعكس لنا حالة بشرية حدثت وتحدث وستحدث في أصقاع الأرض والتخوم والأدغال الفقيرة بين خلق الله ممن اعتصرهم الجوع والفقر، وقد جاءهم من جاء ليرمي لهم الفتات ليفتنهم عن دينهم ووجهتهم وفطرتهم التي فطرهم الله عليها، وإن ذلك ليدفع بنا ويحُضُّنا أن ننظر بعين الرحمة والتكافل في أمر هؤلاء المعذبين في الأرض لانتشال أهل القدرة واليسار لهم من بين يدي وأنياب وبراثن الفقر المميت والمغرم المقيت، ولنا في القول المأثور عن سيدنا أبي ذر الغفاري المعنى الصائب المعبّر: (إذا ذهب الفقر إلى مكان قال له الكفر خذني معك).