شكرا لعام قد مضى..
الثلاثاء، ٢٨ أكتوبر ٢٠١٤ما العمر إلا شمعة فتيلها في باحة القلب ينبض؛ مشتعلًا محترقًا متصالحًا مع العتمة بضيائه، والظلال حوله تمتدُّ في دروب الحياة، تذرف الشمعة ماءها بألمٍ لا يشعره سواها ويقظةٍ تستشرف الأمل وتسير على خطاه.
أتتك المعرفة والمعلومة والثقافة مجانًا فأثرَت حصيلتك التأملية واللغوية من علوم لم تحظ بشهاداتها العلمية فكرًا وأدبًا واجتماعًا وسياسة واقتصادًا.. بحثًا ودرسًا واستنتاجًا واختبارا.. كم صُنفت وأنت بمكانك من هذا الفصيل وذاك الحزب وتلك الجماعة.. بحزنٍ تعترض تنتقد وتعود إلى مرجعيتك ومخزونك مستعينًا بروافد ثابتة ترشدك؛ وتمنحك مهارة التمييز والتقييم.. فتسأل الله أن يثبت قلبك على دينه ويصرفه إلى طاعته وحده.
مضى من العمر عامٌ؛ صافح مساؤه صباحه بأحداثٍ متسارعة، حروب وقتل ودمار وحصار.. استبداد واستعباد وفساد.. خيانة ومؤامرات وأكاذيب ومراوغة، يثق أهلها بأن لا أقنعة تحول دون بشاعة ملامحهم، لكن يطمئنون بأنَّه لا رادع لضميرٍ مخدرٍ في فعل طغاةٍ متشابهين ومُستنسَخين! تجاهلوا قدرة العزيز الجبار.
كم نيل من انفعالاتك وغضبك وحنقك؛ وكم مُسَّ من مبادئك وقناعتك، فقامت ثورة روحك بصمتٍ أفلح في ثباتك ورسوخ جذورك.. في أرضٍ يهبها المولى إرادة خصبة وصبرا مثمرا. حقا: (الضربة التي لا تميتني؛ تقويني)؛ تقاوم الشمعة العواصف المباغتة أو المتوقع قدومها لتكمل دورها وتحقق مهمتها الخاصة بها رغمًا عن كل شيء.
كم أُهدر من وقت عامٍ أصبح في خبر كان؛ باسم الانتظار المتسلط والوعود الواهية والحيَل البارعة، ربما فاز من خطط لإهداره؛ إنما أعظم الترقب لا يسعد به إلا قلب المؤمن من الله تعالى (ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله لك).
اغمض عينيك وتأمل: كم بقيَ ممن كانوا حولك؛ من تمسك بك لأنك أنت.. ولستَ نسخة يُرحب بها في محفل المتنافسين على جذب الأنظار واحتكار مساحة مصلحة على هامش الأفئدة، لأنك أنت.. بمحاسنك وعيوبك؛ بتقدمك وإرهاصاتك؛ بعفويتك ومزاجيتك.. من تفهَّم هذا الـ»أنت»؟ افتح عينيك واحصِهم على أصابع يدك! من ظلَّ؛ فهوَ مِنحة تستحق أجمل العمر القادم.. ولا عتاب أو لوم على من تخلى.
أجمل التبلد تعترف به من فشلك في تغيير واقعٍ كان ينبغي له أن يُستبدل بأفضل منه.. لك ولغيرك، ولكن لا بأس بنجاح تحصده من تغييرك لذاتك والمضي قدما في مسار قناعات جديدة اكتسبتها؛ أو قديمة وثَّقتها.. تقي شمعتك من الانزلاق الموجع أو السقوط المحرق. أن أكون متبلدة ليس عيبًا فالفتيل ما زال متقدًا بنوره بأمر الله.. بأمنية محفوفة بدعاء؛ وهديٍّ من سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام (فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
شكرًا لعامٍ قد مضى.. لم يبقَ منه سوى الدروس.. شكرًا لقلبٍ لم يزل.. يحصي الجمال من النفوس.