شِبْه مُحترف!
الاثنين، ٢٧ أكتوبر ٢٠١٤(حين يكون الشعبُ كلُه من الهُواة فمن الطبيعي أن يكونَ الضابطُ شبهَ محترف).
استحلفني صديقي ألا أكشفَ هُويتَه، ولا اسم شركة السلاح العالمية الكبرى التي يعمل بها، وحكى لي الحكاية التالية التي جعلت ما تبقى من شعر رأسي ينتصب هَلَعاً..
تلقى صديقي قبل أشهر اتصالا من أحد أعضاء مجلس الإدارة، يدعوه للاجتماع به وبمدير قسم مبيعات السلاح للشرق الأوسط، إذ يبدو أن هناك مشكلة تعترض سبيل إتمام صفقة سلاح كبرى مع إحدى الدول العربية..
هُرع الرجل إلى الاجتماع، فوجد الأجواء مكفهرة، والوجوه عابسة، والسبب أن الضباط العرب الذين أرسلهم جيش تلك الدولة العربية التي تود شراء منظومة الدفاع الجوي المتطورة، فشلوا في التدرب على أساسيات تشغيلها، رغم أنهم أمضوا ثلاثة أشهر حتى الآن في دورة تدريبية مكثفة.
واكتشف صديقي أن الشركة تريد منه أن يلعب دور المحقق السري، وأن يستطلع من الضباط العرب سبب عجزهم عن تعلم أساسيات تشغيل منظومة الدفاع الجوي.
ولم يحسم صديقي تردده إلا حين قال له الخواجة عضو مجلس الإدارة إنه لن يخدم الشركة وحدها بقبوله تلك المهمة، بل سيخدم مواطنيه في تلك الدولة العربية كذلك،
ورتب الإداريون كل التفاصيل، وحددوا الموعد المناسب ليلتقي صديقي بالضباط العرب الأحد عشر.. وحين دخل صديقي القاعة التي كان ينبغي أن يكون فيها الضباط، في تمام الموعد المحدد للقاء، وجدها فارغة، فجلس فيها وحيدا، وهو يحاول أن يفسر هذا اللغز العجيب، وبعد ربع ساعة، دلف إلى القاعة ضابط شاب ذو ملامح عربية وهو يحاول مداراة تثاؤبه.
ألقى الضابط العربي التحية بلغة البلد الأوروبية، لكن نطقه كان متعثرا، مرتبكا، ولكنته ثقيلة، غير مفهومة تقريبا، فابتسم له صديقي وقال: صباح الخير يا أخي!
تهلل وجه الضابط الشاب، واندفع ليصافح صديقنا، بما يشبه الاستغاثة: أخيرا، شخص يتكلم العربية، لقد أرهقنا الاستماع ليل نهار لتلك اللغة الصعبة التي تشبه صهيل الخيول،
لكن الله استجاب لدعواتنا وأرسلك لنا في اليوم الأخير لتترجم ما يريد الخواجات قوله..
وحين سكت الضابط المندفع، سأله صديقي المذهول: لكن لماذا تأخرت عن موعد اللقاء؟ وأين هم زملاؤك؟
فأجابه: ربع ساعة لا يعني الكثير يا سيدي، وزملائي سيصلون تباعا، فلا تقلق..
فرد صديقي: لكن المواعيد مقدسة هنا، وينبغي أن تكونوا مثال الانضباط.. لكن المهم الآن أن أعرف سبب عجزكم عن فهم اللغة، ألم يكن من شروط الالتحاق بهذه الدورة إتقان لغة الدولة المضيفة؟
وكان رد الضابط: هون عليك يا أخا العرب، أولا: نحن في دورة تدريبية ولسنا في وحدة عسكرية، ومن حقنا أن نتساهل قليلا..
ثانيا: لقد منحنا قادتنا المباشرون هذه الفرصة للسفر إلى أوروبا كنوع من المكافأة لأننا من خيرة الضباط، وقد استثمرنا الوقت في التعرف على عادات الشعب، وخصوصا في الليل الحافل بالأنشطة، وأنت تفهمني طبعا..!
ثالثا: لا يوجد أحد من ضباط جيشنا يعرف لغة هذا البلد، ونحن على الأقل تعلمنا الأساسيات مثل صباح الخير التي قلتها لك قبل قليل..
رابعا: كان لا بد أن ندعي الفهم والاستيعاب لكي لا تنقطع البعثة، ونُحرم من السياحة الشائقة..
خامسا: سيأتينا في بلدنا خبراء أجانب لتشغيل المنظومة سواء تعلمنا نحن أو لم نتعلم..
وأخيرا: دعنا من هذا الكلام الفارغ، واحك لي حكاية هجرتك إلى أوروبا، أظنها مسلية، ستشغل وقت فراغنا، إلى حين عودة الزملاء، ولم يملك صديقي إلا أن يبتسم، فلا جدوى من أي فعل آخر.