مشاريع جدة جريمة بحق المدينة وأهلها

عندما تتجول في إحدى العواصم العالمية كالعاصمة البريطانية لندن، لا تكاد تخطئ عينك حركة البناء وإعادة الإعمار والترميم التي تطال كل شارع أو طريق أو حي أو زاوية أو مبنى فيها، لذلك لا تستطيع أن تتخيل هذه المدينة سوى كعجوز شمطاء تحاول تجميل وجهها بالمساحيق.

الغريب أنها دائما ما تنجح في إقناعك بأنها سيدة أرستقراطية بعمر الخامسة والثلاثين، رغم المعوقات التي تعترضها من شوارع ضيقة، وأحياء متداخلة، وبنية إنشائية متهالكة، ونحو مليوني شخص يدخلون إليها ويغادرونها يوميا.
لعل السبب يكمن في امتلاكها لخطة واضحة ومعلومة لما تريد أن تكون عليه، وكيف تكون عليه.
هذا الأمر يقودنا إلى التساؤل: كيف لمدينة بهذا الحجم، وهذا الاكتظاظ السكاني، وعدد الزوار المتنامي سنويا، أن تؤدي أعمالها دون أن تتعطل فيها حركة السير أو أن يكره المقيمون فيها العيش بها؟
للإجابة على ذلك سأسرد ثلاث قصص وقفت عليها بنفسي خلال إقامتي بها لسنوات طويلة.
الأولى، حدث أن وضعت إدارة الحي الذي أسكنه لوحة إرشادية على مدخله كتبت عليها، بعد أن قدمت اعتذارها للسكان، أنها بصدد إقامة حفريات لتمديد كيابل جديدة، وأن هذه العملية ستبدأ يوم 2/5 وستنتهي في 18/5، أي أن العمل سيستغرق 16 يوما بالتحديد.
وبالفعل بدأت الجهة المنفذة في اليوم المحدد، ولكن بعد أسبوع توقف العمل لمدة 3 أيام بسبب هطول الثلوج، فما كان من جهة التنفيذ بعد أن استأنفت أعمالها، إلا أنها عدلت تاريخ الانتهاء بإضافة 3 أيام للمدة المحددة سابقا، وأتمت العمل بحسب الموعد الجديد.
الثانية، يوجد طريق حيوي وسط المدينة اسمه (A40)، وهو أشبه بطريق المدينة في جدة أو التخصصي بالرياض، وهذا الطريق الممتد لأكثر من 30 كلم نجحت الجهة المعنية باستبدال أنابيب تصريف المياه فيه، من تنفيذ ذلك دون أن يشعر بها أحد، حتى القاطنون بالقرب منه، حيث عمدت الجهة المنفذة إحضار معداتها للموقع عند منتصف الليل، بعد أن تهدأ حركة السير، ثم تحدث شقا بطول محدد، وتستبدل الأنابيب القديمة بأخرى جديدة، ومن ثم تعيد ردم وسفلتة ما أحدثته، وتزيل معداتها مباشرة قبل بدء الموظفين لأعمالهم بنحو ساعتين، واستمر الحال على ذلك حتى انتهى المشروع.
الثالثة، خلال دورة الألعاب الأولمبية في صيف 2012 توقعت سلطات المدينة أن يتجاوز عدد الحضور للبطولة 10 ملايين زائر، ولذلك اتخذت عدة تدابير لضمان توفير أقصى سبل الراحة لهم، مع عدم تأثر حياة الأهالي سلبا بهذا الحدث. أحد هذه التدابير كان تخصيص مسارات محددة في الطرق المؤدية من وإلى القرية الأولمبية للفرق والجماهير فقط، ومعاقبة كل من يخالف ذلك ويسلك هذا المسار ممن ليس مصرحا له.
الجميل أن إدارة المدينة لم تركن لذلك فقط، بل عمدت إلى توفير طرق وحلول بديلة ومعلومة للجميع، يمكنهم اللجوء إليها عند الحاجة.
المفارقة أن البطولة بدأت وانتهت ولم يشعر أحد أن أكثر من 10 ملايين سائح قدموا إليها من مختلف بلدان العالم بلغات وثقافات متباينة، وخرجوا منها دون أن تعيقهم شوارع مغلقة أو كباري تنشأ أو ميادين تزال.
في المقابل عندما ننظر لورشة العمل التي تشهدها مدينة مثل جدة، فأقل ما يمكن أن يطلق عليها أنها جريمة بحق المدينة وأهلها، فجمال المقصد شوهه سوء التنفيذ. فمن غير المقبول أن تخضع مدينة كاملة بعدها وعتادها لآراء وأهواء مسؤول من هنا وآخر من هناك، ومن ثم علينا أن نتعايش مع ذلك ونتقبله دون أن نعرف لماذا اتخذ هذا القرار وإلى متى سيستمر.. فهل يعي مسؤولو جدة حجم الضرر الذي يحدثونه يوميا في حياة الناس دون أن يوفروا لهم خيارات بديلة أو حلولا ناجعة؟

 

alnowaisir.m@makkahnp.com

alnowaisir@