المعلم الحاجب والمراقب

التعليم تلك المهنة العظيمة التي شوهتها ألوف التعاميم، وقتلتها عشرات النظريات من غير التربويين، التعليم يقوم على أكتاف المعلم فهو صلب الموضوع والجدير بالاهتمام والعناية، ولعلي أسرد بعض مآسي المعلمين، فالطلاب قد شرعت لهم القنوات والصحافة أبوابها ومراسليها ومصوريها لتدافع عنهم وعن المساس بمشاعرهم، ولكن يا ترى من يتحدث عن المعلم وحاجياته!.
هذا المعلم أصبح فريسة بين طرفين فإذا جاءته منحة صباحية من إدارة التعليم لمدة يومين أو ثلاثة لدورة (تربوية) تقوم الدنيا ولا تقعد في مدرسته، ويسعون للتنكيد عليه وتعطيل هذه الدورة القصيرة الأجل جداً فلماذا؟ لأنها تتعارض مع طبيعة العمل الذي لا يكل منه ولا يمل يومياً، فمئات الأوراق والدفاتر تنتظره، وعشرات الأجسام الفارغة من العقول تتصارع وتتهارش بممتلكات الدولة العامة كالوحوش، ويجب أن يحضر فوراً لمدرسته للحفاظ على أمنهم وسلامتهم مثل حراس الأسواق والمتاجر، وعليه المبادرة أسبوعياً لتسليم بقايا الدرجات التي لم يسلمها للإدارة الموقرة، وفوق كل هذا يشعرون أنه خرج من المدرسة وتنفس هواء الحرية يوماً أو بعض يوم، وهذا يخالف حال بقية المعلمين فهو يمارس مهاماً لا يطيقها إلا الندرة من الناس.
بل إن كثيرا من المعلمين ترك تطوير نفسه لأنه في المساء رب أسرة وعائلة وفي النهار لا يمكن أن يرضى أن ينتقص من قدره أحد، أو أن يخرج من مدرسته البالية ليترك أبناء الناس في حصص الانتظار مع زملائه الذين سيحملون عبئاً إضافياً فوق عبئهم، وسيكون عند رجوعه عرضة للنقد والتهكم والتنقيص، لأن هذا الخروج يفسر بأنه هروب وليس بقصد التطوير.
هل يصدق أحد أن المعلم والمعلمة في المدرسة يعاملون كأنهم جنود فلا يسمح لهم بالجلوس، فقد رضي المعلمون والمعلمات بتعاميم وأوامر تمنعهم من الجلوس نهائياً، وقام الموجهون الشرفاء بزيارة المدارس للتأكد من سحب جميع الكراسي الزائدة في الفصول حتى لا تسول نفس المعلم له بالجلوس ولو لثوان، وأصبح من الجرائم والكبائر أن يرى المعلم جالساً بعد أن يملأ السبورة بجميع الألوان، وهنا يجب عليه أن يبقى واقفاً يراقب الطلاب من علو، وبعد أن يسمع قرع الجرس عليه أن ينطلق كالصقر، ليذهب لدور آخر في المدرسة وفصل آخر ويلقي عليهم درسه الجديد، وهكذا حتى ينتهي دوامه واقفاً.
ولقد عرفت معلماً قديراً أمضى أكثر من عشرين سنة في التعليم، ونال خلالها شهادات شكر (ربما كان الهدف منها تخدير الشعور) من الإدارة المسؤولة عن التعليم، وبعد كل هذا، وقد جاوز الخمسين، يدخل الفصل ويشرب كأس الشاي واقفاً ينظر الطلاب ليبدأ الدرس، فثارت ثائرة سدنة التعليم، وتنقصوا من قدره، وأخبروه أن هذا ينافي أخلاق المعلم!!، فما كان منه إلا أن غضب ورفض هذه الإهانة، وجاء المشرفون في التعليم ليوجهوا له إنذاراً وتوبيخاً ضاربين بعرض الحائط جهاده وجهده، فالمهم أن يبقى خادماً، قلت: هذا وقد شربه قائماً فكيف لو تم ضبطه متلبساً وهو جالس والعياذ بالله؟.
عندما يطلب من المعلم أن يمارس غير مهنة التعليم مثل الحراسة والحجابة في وقت الانصراف، فهو يبقى في الفناء تحت الشمس في الظهيرة مع الطلاب يحرسهم من أنفسهم ويمنع دخول غيرهم إليهم، يتقافزون بين يديه ويصرخون وهم يلهون ويلعبون بكل طيش وحماس، فهو يفعل ذلك مجبراً ويبقى لقبل العصر بقليل، ولو قال لهم إن عقدي معكم للتعليم وليس لغير ذلك، وأطالب بعوض مالي أو بدل معنوي عن هذا العمل الذي لا يليق بإنسان يحمل معلومات عالية يدرسها لعقول المئات من الطلاب فهو لم يأت حارساً للأمن، ولا منتظراً لوصول الآباء والأولياء لأخذ أبنائهم وبناتهم بعد ساعتين من خروج الطلاب، لو تجرأ ذلك لقامت قيامة إدارة التعليم، ولطالبت بحسم جزء من راتبه، وسوف يعتبر غير مطبق للأنظمة والقوانين التربوية!.. فمن ينصف المعلم!!