الأكراد هم خط الدفاع الأخير للغرب

شهدت معركة السيطرة على منطقة كوباني (عين العرب)، على الحدود السورية – التركية، بعض أعنف المعارك القتالية حتى الآن، فيما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق أو الشام (داعش)، أو الدولة الإسلامية كما يسمي التنظيم نفسه، هجمات جديدة ضد مقاتلي البشمركة الأكراد الذين يدافعون عن مدينتهم، واستخدم مقاتلو داعش مدافع الهاون والسيارات المفخخة، وذلك بحسب الأنباء الواردة من البلدة الكردية المحاصرة.
الأكراد، وهم السكان الأصليون في هذه المنطقة التي يدور فيها قتال عنيف، هم بشكل ما يمثلون خط الدفاع الأخير في المنطقة بالنسبة للغرب. إذا فشل الأكراد في الدفاع عن كوباني، فليس لهم مكان آخر يلجؤون إليه. الخط التالي للصراع بين تنظيم داعش والقوى الغربية سيكون داخل تركيا، وهو من دول حلف الناتو.
لقد عانت القرى والبلدات الكردية الحدودية بالفعل كثيرا من أعمال العنف المستمرة في تلك المنطقة، والتي تعمل على تقسيم كل من العراق وسوريا. أحد التقارير الأخبارية تحدث عن سقوط 44 قذيفة هاون على المواقع الكردية خلال نهاية الأسبوع، حتى إن بعض القذائف سقطت في داخل الأراضي التركية. المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يتخذ من لندن مركزا له، قال إن أربع قذائف إضافية سقطت يوم الأحد.
بلدة كوباني أصبحت استراتيجية في الوقت الذي أصبح فيه كلا الطرفين يعتبران أن لها أهمية نفسية كبيرة وأنها أصبحت تعتبر رمزا لقضية كل منهما. فجأة، أصبحت قضايا النفط والاقتصاد تحتل مقعدا خلفيا أقل أهمية من “إنقاذ ماء الوجه”، مع أن الأرواح التي فُقدت في المنطقة أكثر بكثير من التي تم إنقاذها. بالنسبة لمقاتلي تنظيم داعش، تمثل كوباني الصمود في وجه هجوم عسكري يمتلك قوة أكبر بكثير، حيث تستمر عمليات القصف الجوي الذي تنفذه الطائرات الأمريكية وطائرات الحلفاء الأوروبيين والعرب ضد مواقع ومقاتلي التنظيم. بالنسبة لقوى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، السماح بسقوط بلدة كوباني سيمنح العدو انتصارا إعلاميا في مجال العلاقات العامة، وهذا سيسمح للتنظيم بتجنيد أعداد أكبر من المتطوعين في صفوفهم وسيمثل ضربة كبيرة للأكراد والجماعات الأخرى المشاركة في القتال ضد تنظيم داعش الإسلامي المتطرف. منذ أن شن الرئيس الأمريكي باراك أوباما حملته التي تهدف إلى إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش، لم تتوقف الضربات الجوية ضد الإرهابيين وتصاعدت بحيوية أكبر. ولكن هل سيكون ذلك كافيا؟ أم أن الولايات المتحدة ستجد نفسها مُجبرة في النهاية على إرسال مقاتلين على الأرض للمشاركة في القتال؟
في واقع الأمر، إن مصير البلدة المحاصرة سيعكس كثيرا مستوى تصميم إدارة أوباما في التعامل مع التهديد الذي يشكله تنظيم داعش. وسط حالة الارتباك التي سببتها الحرب، هناك غموض أكبر للدور الذي تلعبه تركيا في هذا الصراع، حيث إن هذا البلد، رغم كونه عضوا في الناتو، يبدو وكأنه يلعب على الحبلين؛ تركيا تنشر قواتها العسكرية، وهي الأقوى في الشرق الأوسط، على الحدود مع سوريا، ومع ذلك فإن السلطات التركية لا تزال مترددة في التدخل.
تركيا تخضع لحكم حزب إسلامي معتدل - حزب العدالة والتنمية - لكنها في الوقت نفسه عضو في حلف الناتو، وهي لذلك ملزمة بتنفيذ توجيهات محددة تصدرها قيادة حلف الناتو من بروكسل.
لكن تركيا، التي تعاني من مشاكلها الخاصة منذ فترة طويلة مع الأكراد مترددة في تقديم الكثير من المساعدات للمقاتلين الأكراد الموجودين في كوباني، وذلك مخافة أن يشجع هذا الأكراد الذين يعيشون في تركيا على أن يفكروا في دولة كردية مستقلة. وفي نفس الوقت، لدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عداء شخصي ضد الرئيس السوري بشار الأسد، وهو لذلك يحاول منذ البداية ألا يربط بين أي تعاون تقدمه تركيا في القتال ضد تنظيم داعش وبين المساعدة في الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد. وإذا أخذنا جغرافيا المنطقة بعين الاعتبار، فإن مشاركة تركيا في القتال ضد تنظيم داعش تبقى ضرورية وحاسمة لتحقيق أي نجاح في العملية العسكرية.
ولكن لا تنخدعوا كثيرا: فلا يزال النفط في مركز الصراع إلى حد كبير، بالرغم من أنه يأتي مموهاً بإيحاءات دينية أو سياسية أو كليهما معا.