المثقف الصادق
الخميس، ٢٣ أكتوبر ٢٠١٤
المثقف أيا كان توجهه فهو يتحمل مسؤولية الكلمة التي يقولها وينشرها، إذ يفترض أنه صاحب هدف يسعى من خلال ثقافته الوصول إليه وإيصاله. والنبل في الأهداف والسمو في الغايات لن يكون مبرراً للأخطاء والمغالطات التي يرتكبها المثقف بسبب المناهج والتكاسل في البحث عن الحقائق وتطوراتها وتحولاتها. والذي يذهب ضحيتها المجتمع المتلقي بأطيافه كلها. وليس المجتمع المتلقي فقط! ولكن أبرز الضحايا وأخطرها هو المثقف نفسه إذ سوف يفقد مصداقيته ويتحول إلى فقاعات في فضاء. والعامل هو مجرد الزمن. ولقد شاهد العالم هذا التحول وعاش المتلقي أزمة الثقة بمثقفيه، وكشف الإعلام عن عورات. فلماذا؟ ونحن في مرحلة تعتبر بدائية إذا ما قيست بالتقدم الثقافي عند غيرنا! وكيف الحل لهذه المشكلة الآخذة بالاتساع؟ هذا التساؤل يستدعي مراجعة شاملة يشارك فيها صناع القرار وحملة الأقلام ومنابر الإعلام، وتستحق عقد اللقاء والمؤتمر، لأن بناء الثقة في الثقافة لو انهدم بمعول المثقف فستكون الخسارة كبيرة لا تغني فيها الترميمات والتحسينات، ولا سيما ونحن نعاني التراجع والتخلف في كثير من النواحي العلمية والثقافية! وهنا سأشارك بطرح الرأي حول هذه الحالة (أزمة مصداقية المثقف) من أين نشأت؟ وما هو الحل؟ لقد وجدت هذه الحالة من شيئين:
الأول/ تراكمات ومورثات لأخطاء في التركيبة الثقافية لحظة نشأة العلوم وتأسيسها (ومن يوظف من) في تلك المرحلة، ثم تحولت تلك التراكمات إلى أشبه بالأيديولوجيات والمقدسات، رافق ذلك عدم الرغبة في التحديث والتطوير والتفكيك وتعدد القراءات، وربما وصل الأمر إلى اعتبار محاولات مثل تلك زندقة وردة -عند قوم- واعتبارها ضعفا في الولاء والانتماء -عند قوم آخرين- أو لاعتبارات أخرى من أبسطها وأصدقها أننا قوم وجدنا آباءنا على أمة ولم نتعود على التغيير والمراجعات.
الثاني/ المثقف -المحدث- وجد نفسه أمام تلك التراكمات من جهة، وبين المستجدات المتلاحقة من جهة أخرى، فتخلقت أمامه ثنائيات خطيرة تتمثل في (التراث والمعاصرة) (القدامة والحداثة) و… وقد تفاجأ بما لم يفكر فيه وهو يعتبر نفسه إصلاحيا بثقافته فخنقته الثنائيات وقذفت به في ثنائية أخطر وهي (الاكتفاء أو الارتماء) ليفقد بذلك منهجية الاعتدال والتوسط، وهكذا أصبحت أوراقه مخلوطة يطالب بكل شيء ويمانع كل شيء، أي: يتناقض في كل شيء، وكانت مخرجاته الثقافية تعيش التصادم بين أولها وآخرها في عمر لا يتجاوز السنوات القليلة مما لا يجعلنا نقبل الاعتذار المقدم على هيئة مراجعات.. بل لا نفسر ذلك إلا بالنزق والفوضى وحب الظهور ولو على مسرح الإصلاح وإذاعة التقوى وتلفاز العز. إذن فنحن أمام مشكلة اجتماعية وثقافية في آن واحد، وهذه المشكلة من إنتاج المثقف نفسه، فما هو الحل؟ وهل ننتظر من عقلية المشكلة ذاتها أن توجد لنا حلاَ؟ لن نستفيد من عقلية المشكلة سوى الاعتراف الصريح بالمشكلة عسى ولعل هذا الاعتراف أن يوقف النزف ليتمكن المصلحون من التفكير وإعادة التشكيل.
أما الحل من رؤيتي فسوف أوجزه بنقاط أشبه بالخطوط العريضة مطروحة للتفكيك والقراءة والمداولة والرد والنقض. وكل ممارسات النقد.
أولا: إحياء دور المؤسسة الثقافية الرسمية، والانتقال بها من الإدارة إلى الممارسة، وتكوين طواقمها القيادية من المهتمين لا من الموظفين أي الذين يعملون بروح المثقف لا بنفسية الموظف.
ثانيا: تخصص المثقف وتصنيف المثقفين من واقع إنتاجهم لا من واقع تحصيلهم الأكاديمي، لأن جامعاتنا وللأسف لم تعد مقياساً كافياً فالطلاب يحشرون إليها طلباً للوظائف لا للعلم والمطالب بهذا أكثر من غيره هو المثقف نفسه لأن يكتشف ذاته ويتعرف على قدراته وإمكانياته ومجالاته التي يتحرك فيها، وعليه أن يتوقف عن الانجرار وراء محترفي الإعلام ومقدمي البرامج، ومقابل ذلك عليه أن يبرز نفسه من خلال قوته العلمية واحترافه في إيصال الهدف وأن يظهر ما لديه بكل ثقة دون أن يلون حديثه بمصطلحات تمويه بقصد الإرضاء أو بقصد الإيحاء للغير بمرونة شخصيته وجاذبيتها..
ثالثاً: بناء الثقة بين المثقفين أنفسهم وإحياء روح التعاون والتكامل في حياتهم الثقافية حتى يستطيعوا تقديم ثقافيتهم بمصداقية نظيفة، وتلك هي أعظم البنى التحتية التي يمكن بناؤها والتي تسجل في تأريخهم وتنطلق منها أجيال لاحقة.
رابعاً: الجدلية بين السلطة والمثقف أخذت تأثيراتها السلبية على المخرج الثقافي وعلى سلوكيات المثقف، والذي يتوجب عليه أن يعي الدور الذي يلعبه السياسي في تحريك الثقافة، ليتخذ المثقف موقفاً ليس (مع أو ضد) ولكنه الموقف الذي يخدم مصلحة الثقافة ومتلقيها، وأن يحاول في الوقت نفسه التأثير في الرأي السياسي لخدمة تلك المصلحة، وأن يتفهم المثقف رؤية السياسي في توجهاته فهناك ما لا يدركه من تراكيب القضايا وتشابك المشاكل وتقاطع المصالح.
خامساً: الكل يقول بتقبل النقد لكن أرض الواقع والممارسات لا توحي بذلك، فنقد المثقف مهمة هامة جداً يمارسها المثقف نفسه تجاه ذاته، ويمارسها المثقف الآخر المتفق أو المختلف، ويمارسها المتلقي أيا كانت منزلته، وفي غياب النقد أو غياب آلياته أو أخلاقياته، أو محاولة مواجهة النقد بالتبريرات أو الردود كل ذلك سيلحق الجوهر الثقافي أذى كثيراً. وعلى الله قصد السبيل.