كيف نجحت السعودية في تفكيك التحالف الإقليمي في الشرق الأوسط؟
الثلاثاء، ٢١ أكتوبر ٢٠١٤
في مذكرات الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، عبارة شهيرة لخص فيها أهم سمات الساسة السعوديين على مر العصور، يقول فيها: إن السعوديين وحدهم يقولون في العلن ما يقولونه تماما في المحادثات الخاصة.
وتلك ميزة ما بعدها ميزة عند الأمريكيين بصفة خاصة والغرب عموما، حيث السياسة تعني الدهاء والمناورة والتلاعب بالكلمات التي تقال فوق الطاولة وتحتها، في السر والعلن، في الجلسات المغلقة للخاصة ووسائل الإعلام الجماهيري.
مقاصد كارتر
ما قصده كارتر هو شيء أعمق من “الصدق” و”الاتساق” معا، إنها “المصداقية” التي تسبق الصدق دائما أو قل إن ما يمنح “الصدق” جواز المرور للعقول وتأشيرة التصديق والإقناع هي “المصداقية” أولا.
هذه المقدمة ضرورية لفهم النقلة النوعية الجديدة في الحرب على الإرهاب التي قامت بها المملكة العربية السعودية والتي غيرت موازين علاقات القوى في منطقة الشرق الأوسط وما سيترتب عليها من تطورات لاحقة في المستقبل، ولولا “الضوء الأخضر” الذي أعطته المملكة ما كان يمكن للولايات المتحدة أو القوى الدولية الأخرى أن تبدأ في التحرك في مواجهة “داعش” وغيرها من جماعات إرهابية في العراق وسوريا، فقد تتردد بعض القوى الإقليمية أو تتراجع عن وعودها بالمشاركة وقد تساوم أو تناور أو تزايد، لكن القادة السعوديين وحدهم كلمتهم أشبه بالعقد الموثق والممهور بالثقة.
التحولات الجديدة
لكن يبدو أن هذه النقلة النوعية لها تداعيات أبعد بكثير من مجرد الحرب على الإرهاب، كيف؟
حتى وقت قريب، كان ينظر في الغرب إلى إسرائيل وتركيا وإيران باعتبارهم أكثر اللاعبين الإقليميين تطلعا للمستقبل والأسرع تجاوبا مع المتغيرات الدولية والأجدر فهما للتحولات الجديدة، بما يتيح لهم أن يصبحوا في قلب الترتيبات الإقليمية وليس خارجها أو على هامشها، بينما يأتي استيعاب العرب بطيئا متثاقلا غارقا في أيديولوجيا الماضي بمشكلاته وتعقيداته، أما اليوم فقد تبدل المشهد وتغيرت هذه النظرة تماما لا سيما بعدما أحدثت المملكة العربية السعودية هذه النقلة النوعية بإعلانها الحرب على الإرهاب، من أعلى قمة في الدولة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
هذه الرؤية الاستراتيجية الجديدة للمتغيرات العالمية في الألفية الثالثة فاجأت الجميع – بلا استثناء - وكانت أسرع من أن تتيح للاعبين الإقليميين الآخرين الزمن اللازم للتكيف مع هذه المستجدات الخطيرة، الأمر الذي وضعهم في مواقف متناقضة – وإن شئت الدقة – مواقف عارية أمام أنفسهم والعالم!
5 عوامل فككت تحالف الأمس
لقد نجحت المملكة العربية السعودية من الناحية الاستراتيجية في تفكيك التحالف شبه الموضوعي في المنطقة الذي كان يتشكل من إيران وتركيا وإسرائيل، على حساب الدول العربية كلها، حيث ظلت هذه الدول الثلاث تحديدا منذ نهاية الحرب الباردة عام 1989 تتصارع على احتكار الحرب والسلم في الشرق الأوسط.
- 1 - نزعت سلاح إيران الذي ظلت تزايد عليه وتستخدمه في المساومة والضغط على الغرب منذ الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وحتى اليوم، من أن “ السنة “ يرعون الإرهاب ويصدرونه إلى العالم وليس” الشيعة “. وكشفت المملكة للجميع أن إيران – على عكس ما هو معروف – لم تحارب “داعش” أو الإرهاب قط، وإنما هي تدافع عن مصالحها الخاصّة، حتى لو تعارضت مع مصالح الجميع وفي مقدمتهم الولايات المتّحدة.
- 2 - أماطت السعودية اللثام عن الممولين الحقيقيين للإرهاب والداعمين له في الشرق الأوسط، سواء كانوا عربا أم غير عرب، دولا أم أفرادا .. وهو ما أربك بعض القوى الإقليمية التي تورطت – وما زالت - في دعم الجماعات الإرهابية حتى كتابة هذه السطور.
- 3 - إعلان الحرب على الإرهاب أدى إلى مواجهة من نوع آخر، بين الرياض وأنقرة ( والدوحة) .. فمن ناحية أصبح حزب العمال الكردستاني الذي كان يعتبر بنظر واشنطن والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية، مدعوما من العالم أجمع خاصة الولايات المتحدة وقوات التحالف في مواجهة “داعش”، ناهيك عن “جبهة النصرة “ وأخواتها في سوريا التي ظلت تلقى الدعم من تركيا وقطر وبعض الدول الأوروبية!
- 4 - كشفت السعودية للعالم مدى قوة ونفوذ القوى الإقليمية الأخرى في المنطقة، وأثبتت أنها الوحيدة القادرة على لعب الدور المحوري في الشرق الأوسط والأقصى معا، من المغرب وحتى حدود الصين مرورا بباكستان وأفغانستان. وعلى سبيل المثال، حين شرعت أفغانستان في لملمة جراحها وجسدها المنهك من الحروب والأطماع، لم تختار أيا من الدول الكبرى: الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، أو حتى الهند وباكستان واليابان وإيران، وإنما لجأت إلى السعودية لطلب النصيحة والدعم لتحقيق السلام، وإذا كانت أفغانستان توصف بأنها “مقبرة الإمبراطوريات” على امتداد التاريخ، فإن المملكة العربية السعودية – حسب وصف الأفغان – هي الدولة الوحيدة القادرة على مصالحة كل الفرقاء، وهي “ العمود الفقري للسياسة الخارجية الأفغانية بإجماع كل الأطراف على تباينها”.
- 5 - على الرغم من أن السعودية هي أكبر الدول النفطية في المنطقة، فإنها تكاد تكون الدولة الوحيدة التي لم تدخل في أي صراع إقليمي، بل على العكس دفعت أثمانا باهظة من رصيدها – وما زالت - لتحقيق الاستقرار والسلام ووأد الصراعات في مهدها. تاريخيا كان النفط (تحت الأرض) يحرك البر والبحر والجو من خلال الأزمات الاقتصادية، ففي العقود الأربعة الماضية تسببت اضطرابات الشرق الأوسط في الركود الاقتصادي العالمي ثلاث مرات: حرب أكتوبر 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، وغزو العراق للكويت عام 1990، ناهيك عن أن أسعار النفط لعبت دورا جوهريا في الأزمة المالية العالمية في صيف عام 2008 ، حيث بلغ سعر برميل البترول 148 دولارا ، وهو ما مثل ضربة موجعة للاقتصاد العالمي الضعيف والمبتلى بالصدمات المالية، حسب تعبير البروفيسور “نوريل روبيني”.
.. وتغير دفة أعقد الأمور
تستطيع المملكة العربية السعودية أن تغير دفة أعقد الأمور في المنعطفات التاريخية الحرجة، وهي تمتلك غالبا رؤية استراتيجية عميقة ومتجددة وأحيانا سابقة لأوانها، وأبلغ دليل على ذلك هو موقفها من “الصراع العربي الإسرائيلي”، أو القضية الفلسطينية (قضية العرب الأولي التي تتقاذفها جميع القوى الإقليمية الأخرى وتوظيفها خدمة لمصالح هذه القوى وأطماعهم الإقليمية، لا العمل على حلها أو رفع المعاناة عن أهلها وإعادة حقوقهم السليبة وتحقيق الاستقرار والسلام).
وسأستشهد هنا بما كتبه حرفيا الدكتور غازي القصيبي في الصفحات الأخيرة من كتابه “الوزير المرافق” تحت عنوان “فاس... بين قمتين”. ويقول: بدأت قمة فاس الأولى بمناقشة مشروع فهد للسلام الذي انطلق من تصريح للأمير وتباينت الآراء حول كلمة “تعايش” في ديباجته، وهنا قرر رئيس القمة الملك “الحسن الثاني” سحب المشروع، بعد أن أصرّ الملك فهد - ولي العهد آنذاك - على ذلك لوقف تطاول بعض الألسنة التي جرّحت المملكة. الغريب أنه في القمة الثانية انقلب الحال 180 درجة، وأصبحت الأجواء مهيأة لتبني المشروع من (جميع الدول) بعد إصرار سوريا على تعديل كلمة “تعايش”، فقط.
عاش الملك فهد سنوات طويلة يشعر بالحسرة على أهم فرصة ضائعة أمام الفلسطينيين والعرب، فقد كان الملك كما يصفه القصيبي متمسكا بدولة فلسطينية مستقلة.