بناء الدولة ليس مهمة سهلة

يبلغ عدد سكان ماليزيا حاليا نحو 30 مليون نسمة. في السنوات السبع الأخيرة بلغت زيادة عدد السكان في ماليزيا 3.2 ملايين نسمة، وهي ضئيلة مقارنة مع معدلات الزيادة في كثير من دول العالم. تشير التوقعات إلى أن عدد السكان في عام 2100 في ماليزيا سيصبح 65 مليونا.

الأرقام لها أهميتها في هذه المسألة. جميعنا نفهم ذلك. لم تعد المعادلة تتعلق بقدرة البلد على إطعام ذلك العدد من السكان. توقعات خبير الاقتصاد الإنجليزي في القرن الثامن عشر توماس مالثوس بأن كميات المواد الغذائية المتوفرة في العالم لن تكون كافية مع تزايد عدد السكان ثبت أنها غير صحيحة إلى حد كبير.
الصين كانت دولة فقيرة في يوم من الأيام، لكنها لم تعد كذلك الآن. في واقع الأمر، عدد السكان الهائل الذي في الصين يعطيها أفضلية. من الناحية الحسابية، إذا كنت تستطيع أن تبيع علب كبريت لنحو 10% فقط من سكان الصين البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة فإنك ستكون أغنى من أغنى رجل في معظم الدول النامية. الصين حاليا تعتبر قوة اقتصادية يحسب لها ألف حساب. والشيء نفسه ينطبق على باقي الدول ذات الكثافة السكانية العالية. إذا قلنا إن 10% فقط من سكان إندونيسيا، مثلا، هم أثرياء إلى حد ما، فإن الرقم يكون 24 مليون شخص على الأقل.
ما هو مستقبلنا إذن؟ إما أن يكون هناك 70 مليون ماليزي أو 100 مليون ماليزي في خلال الـ100 سنة القادمة، فكيف سنكون؟ هل سيكون وضعنا الاقتصادي أفضل أم أسوأ مما هو عليه الآن؟ هل سننجح أم أننا سنفشل بشكل كبير؟ أم أن علينا أن نأخذ موقف “فليحدث ما يحدث، نحن لا نستطيع أن نرى المستقبل”؟ الماليزيون يروون هذه القصة الأخلاقية المعبرة: سأل أحدهم رجلا كبيرا في السن كان قد زرع شجرة لتوه “لماذا تفعل ذلك، أنت لن تعيش لتأكل من ثمارها؟” فأجاب العجوز: “الشجرة ليست لي، الثمار يأكلها أبنائي وأحفادي.”
التخطيط للمستقبل يشبه هذا الأمر. قد لا تكون أنت الشخص الذي يستفيد منه، لكن أبناءك وأحفادك والجيل القادم سيستفيدون بالتأكيد. التحضير من أجل المستقبل ليس أمرا سهلا. أجدادنا كانوا يفكرون بشكل جيد ويحسبون الأمور بدقة ولهم نظرة مستقبلية حكيمة، وقد أعدوا خططا ورثناها نحن. لا شك أنهم ارتكبوا أخطاء، وبعض الأخطاء كانت كبيرة، لكننا لم نكن لنصل إلى ما نحن عليه الآن لو كان أجدادنا يفكرون بطريقة أنانية وقصيرة النظر لتحقيق منافع آنية وقريبة المدى.
بناء الدولة لم يكن يوما قضية سهلة، وخاصة بالنسبة لدولة مثل دولتنا. الانتماء العرقي له أهمية، الصراع على الهوية قد يكون له آثار خانقة، الصراع الديني يطل برأسه بين الحين والآخر، التوتر العرقي موجود في الهواء في جميع الأوقات، المواقف والشعارات اليمينية أصبحت “موضة”، الحماس الشوفيني يبدو واضحا، التسييس هو القاعدة السائدة، والقائمة تطول.
عالم الانترنت لا يلعب دورا إيجابيا في كثير من الأحيان بسبب الكتابات غير المسؤولة وردود الفعل غير المنطقية إلى درجة جنونية، والميل إلى تصديق أي شيء حتى أسخف أنواع الكذب والتزوير. ومن المفارقات أن إدارة المعلومات تزداد صعوبة بشكل متصاعد في عصر المعلومات. الظلال بدأت تفقد شكلها والأشياء تفقد ألوانها.
علينا أن نفرق بين الجيد والسيئ. ليس كل ما تفعله الحكومة صحيحا. الحكومات، مثل الأشخاص، لا تتمتع بالكمال. الحكومة تكون مفوضة لتفعل ما هو أفضل للشعب، الآن وفي المستقبل. يجب محاسبتها إذا لم تنفذ وعودها، ولكن يجب إعطاؤها الفرصة لتفعل الشيء الصحيح. الإدانة الشاملة وغير المبررة لا تساوي شيئا. اتخاذ مواقف التحدي ليس حكيما على الإطلاق.
نحن نشهد تغيرا في الحراك الاجتماعي. القيم القديمة تتهاوى. المطالب بالشفافية والانفتاح أصبحت ذات صوت أكثر ارتفاعا ووضوحا. الأساليب القديمة أصبحت مشكوكا فيها. انتهى عصر “الحكومة تعرف ما هو أفضل”. لذلك فإن المقاربات يجب أن تتغير مع الأيام.
ليست زيادة عدد السكان في ماليزيا هي التي تزعجني. بل هو مستقبل الشعب الماليزي – حقوقهم ومكانهم في هذا البلد الحبيب. إنهم جزء من الوعي الوطني. هم ليسوا مجرد إحصاء وأرقام، لكنهم مواطنون ماليزيون من لحم ودم.
هم أيضا يحتاجون إلى مأوى، وحياة جيدة، ومستقبل أفضل. علينا أن نفكر بهم قبل أن نلوح بأنانيتنا في محاولاتنا كي نثبت أن الآخرين على خطأ.

- إعلامي ماليزي ورئيس تحرير سابق (نيو ستريت تايمز)