المثقف المستعار
الاثنين، ٢٠ أكتوبر ٢٠١٤أكثر الناس الآن لا يقرؤون بكل أسف، وليس لديهم جلد وربما ليس لديهم قدرة أصلا لتكوين معلوماتهم وأفكارهم ورؤاهم الخاصة بأنفسهم من خلال القراءة الجادة والمتابعة العميقة وسؤال أهل الاختصاص، ومن ثم تأمل ذلك كله والخلوص منه لرؤية وقناعة مؤصلة، وهو ما يجعلهم أسرى بصورة ما لما يطرحه المقابل عبر مجلس أو محاضرة أو مقابلة أو تغريدة متى كان صاحب الطرح قادرا على تحسينه وإظهاره وإخراجه بصورة قوية مؤثرة.
وكثير من الناس يعلم ذلك في قرارة نفسه لكنه لا يملك أدوات الخروج من هذا المأزق، أو هو لا يريد أن يفعل الأدوات الموجودة لديه كسلا أو انشغالا، وغاية ما في جعبته إن أراد إظهار موضوعيته هو أن يستمع لطرف آخر مقابل للمقارنة دون بذل جهد حقيقي في اختبار ما يطرحه الطرفان أصلا من حيث الصحة والدقة والاستنتاجات، ودون أن يبني هو رؤيته المستقلة للقضية المطروحة، وهذا يسري بكل أسف على كثير من القضايا المجتمعية حياتية كانت أو فكرية، فقل أن يجادلك أحد في شيء منها إلا وتكتشف أنه ليس سوى ناقل لما يردده غيره.
ومن المعلوم أن من تصدى لأمر من الأمور واجتهد في طرحه وإخراجه سيجد من يؤيده بقوة من عموم الناس الذين لم يكن لهم سابق عهد بالقضية إلا من خلاله، لأنه يصادف حينئذ قلبا خاليا فيتمكن منه، كما يقال، وإذا كان هذا مقبولا من عوام الناس الذين لا عناية لهم بالقراءة والمتابعة والتمحيص فإنه ليس مقبولا ممن تعلم وترقى في دراسته وتحصل على الدرجة الجامعية وربما حصل ما فوقها ثم لا تراه إلا مكررا ومرددا لكلام غيره دون وعي أو إدراك، ودون أدنى جهد في القراءة والتكوين الشخصي للمعلومات والمواقف.
وليس الإشكال بطبيعة الحال أن يعجب الإنسان بطرح ما أو يتوافق معه، ولكن الإشكال أن يقع منه ذلك دوما على خلفية جهل تام بالقضية مع الرضا بهذا الجهل واستمرائه وربما تبريره، ولو اجتهد كل واحد منا وخصوصا في القضايا الحية المتداولة أن يدرسها بعمق أكثر ليلم بها في سياقها العلمي الموضوعي والمجتمعي والتأريخي لكان أقرب للموقف الصائب فيها، وأصعب وأخطر حالات هذا الإشكال المطروح حين يترتب على هذه المواقف أمور عملية متصلة بالجانب الشرعي أو متصلة بالمصلحة الوطنية العامة.