الخامسة بعد الظهر انبعاث لأفق جديد

كانت خطوات الشابة الأفغانية نوغرا ـ الشخصية الرئيسية في فيلم «في الخامسة بعد الظهر»ـ تسير في عتمة، في قلب الوادي السحيق الذي تصعده بمشقة لجلب الماء، والذي يشبه إلى حد بعيد الطريق المتعين على المرأة الأفغانية أن تسلكه إذا ما أرادت أن تمتلك استقلاليتها.
وتحاول الشابة خلسة أن تستدل إلى وجهة حريتها وطريق خلاصها، بعد سنوات من التزمت والقمع الطالباني.
في مطلع الفيلم ينساب صوت خافت كئيب يردد مقطعاً من قصيدة لوركا في رثاء صديقه الذي صرعه الثور فحمل الفيلم عنوانها، وتقول القصيدة: «يا للساعة الخامسة بعد الظهر/دقت الساعات كلها عند الخامسة /إنها الخامسة في ظلمة بعد الظهر»وتسرد حكاية الفتاة، ابنة رجل ينتمي فكريا إلى جماعة طالبان المتشددة، والتي تحرّم خروج المرأة للعمل أو التعلم في المدرسة، وتعتبر كشف المرأة عن وجهها فجوراً، لذا كل ما يسمح به والدها لها فقط الخروج لجلب الماء، أو الذهاب إلى الكتّاب لتعلم القرآن، لكن بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، وسقوط نظام طالبان وافتتاح مدارس لتعليم البنات، أخذ توق الفتاة للتعلم ينمو داخلها، مما جعلها تغافل والدها، فما إن تدخل أمامه إلى الكتّاب حتى تخرج من بابه الآخر، ترفع البرقع وتستبدل حذاءها المفروض عليها بحذاء آخر محرم لبسه لونه أبيض ذو كعب ثم تفتح شمسيتها الزرقاء وتتجه سرا إلى المدرسة.
ولكن لا تتوخى مخرجة الفيلم الإيرانية «سميرة مخملباف» في حبكة فيلمها شيئاً من التشويق، لمعرفة ما إن سيكتشف والدها السر، وبالتالي ما يمكن أن تكون عليه ردة فعله والعقوبة إن اكتشف ذلك وهو الرجل المتشدد، الذي يرى أن أفغانستان أصبح يعمها التجديف بغياب نظام طالبان، حيث فتحت المدارس أمام النساء، وأصبحن يرفعن البراقع عن وجوههن، إنما الفيلم يذهب إلى ما هو أهم، إلى رحلة نوغرا اليومية والسرية من الكتّاب إلى المدرسة، وما تكتشفه في المدرسة من صورة أخرى يمكن للمرأة أن تكون عليها، غير تلك المهمشة والضعيفة والتابعة للرجل، إنها صورة تداعب حلم الفتاة بأن تكون امرأة قوية ومستقلة وصانعة قرار، وإذا كان ثمة نقطة تحول يمكن رصدها في شخصيتها بتأثير من المدرسة، فهي في انتقالها إلى معرفة جديدة، وحين تسأل مديرة المدرسة الطالبات «من ترغب أن تصبح رئيسة أفغانستان؟»، فراحت تبحث عما يلزمها كامرأة كي تكون رئيسة للجمهورية، وما يمكن أن يكون عليه خطابها، وما الذي سيدفع الناس لانتخابها، ولو كتدريب افتراضي داخل المدرسة.
إذ تخيم الحرب لا تبقي حجرا على حجر، هكذا لحقت عائلة الشابة بمصير مئات العائلات الأفغانية المشردة، لتسكن إما الخرائب أو أنقاض العمارات المدمرة، وواصلت نوغرا ووالدها وزوجة أخيها الانتقال للسكن تارة في بقايا بناء، وتارة في بقايا طائرة، وتارة أخرى في قصر مهدم ومهجور، ثم في صحراء خالية وجرداء تشبه شظف العيش الذي تعانيه الأسرة فالفتاة وزوجة أخيها لا يسمح لهما بالعمل، والأخ الذي يعمل سائق شاحنة اختفى، والعربة التي يقودها والدها المسن لا تجلب ما يسد الرمق، ووسط هذا الجدب يواجه الحفيد الرضيع الجفاف والموت.
يفجع الأب عندما يعلم أن ابنه قد استشهد في غارة، لكنه يقرر أن لا يخبر زوجة ابنه كيلا يؤثر ذلك على إرضاع الصغير، لكن الجوع اشتد فلم يعد الحليب متوفرا في صدر الأم، وهكذا أصبح جسد آخر مهددا بالسقوط، وأمام برد الصحراء القارس أشعل الجد كل ما يملك؛ العربة التي تقلهم كي يدفئ الصغير، لكن شيئا لم يمنع الموت من أن يتسرب إلى هذا الجسد الصغير، ها هو جسد آخر يهوي، تداعى تماما كما تداعت جدران البيت الذي لم يبق منه سوى الغبار، ففي وسط هذا الانهيار في الحضارة والثقافة والروح، كيف يمكن أن تهتدي المرأة الأفغانية إلى حريتها؟أطبق نظام وفكر طالبان على عقول الناس فخيمت العتمة في عز النهار، وإن سقط ذلك النظام وزالت العتمة، ستبقى آثارها تخيم على حياة وفكر الناس، وبشكل أوضح على واقع حياة المرأة في أفغانستان، هذا ما انعكس بصريا على الصورة في الفيلم، فنشاهد مئات المهاجرين العائدين يسكنون الخرائب بعد أن دمرت الحرب بيوتهم علاوة على السكان الأصليين المشردين بعد الحرب، كما نرى أنقاض البيوت والقصور المدمرة التي حطت أسرة نوغرا ترحالها في إحداها، حيث غالبا ما تحيا الشخصيات وسط الخرائب، وذهبت المخرجة أبعد في توظيفها للون والملمس والتكوين وملامح المكان ومعماره في الصورة، لتعميق الإحساس بالقسوة والكآبة والخراب، نلمسه في شكل البيوت المحفور بصخر الجبل -فتبدو كثقوب نخرت صلابة الحجر- وتضاريس الصحراء -التي تنقلت فيها أسرة نوغرا- وبيوت الطين الخشنة، وبألوان البيئة والمعمار التي تتنوع بين الرمادي والترابي، لنجد امتدادها على ملابس الناس، والأمل الوحيدة المتبقي كي ترى ألوان الحياة هي في براقع النساء الأفغانيات الموحدة، التي منحتها السماء زرقتها، لكنها لم تتمكن من أن تبعث فيها الحياة.
في انتقال الفتاة من الشارع إلى الكتّاب تنتقل من كادر في عمقه مضيء بينما مقدمته معتمة، وعندما تخرج من الباب الآخر للكتّاب باتجاه المدرسة وتغير الحذاء تخرج من منطقة معتمة في المقدمة إلى مضيئة في العمق، فتشتغل المخرجة على هذا التضاد بين النور والعتمة، لإبراز ما يشكل الذهاب إلى المدرسة من انبعاث لأفق جديد مضيء.
كما أن بقايا الطائرة التي سكنتها أسرتها فترة قصيرة من الزمن، تحمل دلالة عميقة على الشرخ الذي أحدثته الحرب بين النساء والرجال، ففي أحد المشاهد نرى كيف جسد الطائرة منقسم إلى قسمين في أحدهما تجلس هي وزوجة أخيها وفي الجزء الآخر نرى الأب راكعا يصلي، وفي خلفية كل منهما الأشكال الدائرية لهيكل الطائرة، وهي تتكرر باتجاه عمق الصورة كأنها عمق الهاوية التي وصلتها الشخصيات.