درء السيول يحتاج إلى أمانة وإخلاص

أصبح موسم السيول هاجسا يؤرق ساكني السعودية من مواطنين ومقيمين، وتصاعدت وتيرة هذه المخاوف بعد كارثة السيول التي ضربت مدينة جدة عام 1432، وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص، بخلاف الإصابات التي كانت بالمئات، إلى جانب الأضرار التي كشفت الخلل وهشاشة البنية التحتية السيئة لعروس البحر الأحمر حينها.
ومنذ ذلك الحين، ونحن نسمع بالعلاج من المسؤولين، وفي كل موسم للأمطار، والذي نعيشه حاليا، تتجدد المشاكل والأضرار وبطريقة كارثية، وكأن الأمر لا يعني القائمين على هذه المشاريع، وهذا ينطبق على مختلف مناطق المملكة الرئيسية والفرعية.
فتحت سيول جدة الأعين على بقية مناطق المملكة، ففي نوفمبر 2013 الماضي شهدت العاصمة الرياض وعدد من المدن والمحافظات السعودية أمطارا كانت متفاوتة بين متوسطة وغزيرة - بحسب تقرير الرئاسة العامة للأرصاد الجوية - ولكنها كانت مؤثرة بسبب ضعف البنية التحتية وحصدت 13 ضحية في يوم واحد - وفق إحصائيات رسمية - إلى جانب حالات غرق واحتجاز في السيارات لعدد من قائدي المركبات ومرافقيهم، ومحاولات لمواطنين لرفع أغطية قنوات الصرف، لمحاولة خفض مستوى منسوب المياه في بعض الأنفاق والطرقات في مختلف مناطق المملكة.
تدخلات من جهات أمنية وأخرى حكومية واستنفار موقت وحالة رعب وترقب من الجميع مع كل موسم أمطار، وكأن الشعب السعودي مقبل على كارثة متوقعة. وعلى الرغم من كل تلك الاحتياطات نقع في شر أعمالنا، والسيول تعيد كشف الخلل الفني في المشاريع الحيوية من أنفاق وجسور وأنابيب التصريف، ويبدأ السؤال العريض: متى سيتوقف السيناريو المفجع الذي تشهده المملكة سنويا؟
الحكومة السعودية خصصت نحو 300 مليار ريال وفق ميزانية 2013 لمشروعات البنية التحتية لتصريف السيول وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن بالنظر للإنجازات المحققة على أرض الواقع فإنها لا تتناسب مع حجم الإنفاق، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية التي تعاني منها الدولة.. غياب دور الأجهزة الرقابية والإدارية على المشاريع، بداية من نظام طرح المشروعات والمناقصات إلى أن ترسو فجأة على مقاولي الباطن الذين يسهمون في عرقلة تنفيذ المشاريع، أو تنفيذها بشكل لا يتناسب مع حجم الكارثة السنوية.
وطننا لا يعاني من قلة الصرف والإنفاق الحكومي، ولكنه يشتكي من غياب الضمير أحياناً، وأحيانا أخرى من عدم الإخلاص، من قبل من يخونون الأمانة وضعاف الإيمان الذين يستحلون ما ليس لهم. وكل مال أخذوه بغير وجه حق فهو حرام -كما قال مفتي عام المملكة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ.
إن الرقابة الصارمة على كيفية صرف المبالغ التي تخصص للمشروعات الوطنية الكبرى حتى تصرف في مكانها الصحيح وتنفذ المشاريع بالشكل الصحيح، هي ما نأمله، فالوطن يحتاج إلى الضرب بيد من حديد على من تسول له نفسه العبث بممتلكاته والتهاون في قيمة حياة المواطنين وكل من يقتات من خيره.