البحث عن مفقودين أكفاء!

نعم، البحث عن بدلاء لقياديين حكوميين، وعلى من يجدهم تسليمهم لوزارة الخدمة المدنية مشكوراً، فالخدمة المدنية في مأزق حقيقي فنسبة 80% من القياديين للمرتبة من 11 إلى 15 تجاوزت أعمارهم الـ51 عاماً، ونسبة 25% منهم مؤهلاتهم دون الجامعية، وبما أن الدرجة الجامعية هي مرحلة البطالة، فإن هؤلاء الـ25% يمكن تصنيفهم بأنهم عاطلون على رأس العمل. هذه أبرز وأهم المعلومات في مؤتمر القيادات الإدارية الحكومية بالمملكة (الواقع والتطلعات) الذي أُقيم في الرياض الأسبوع المنصرم.
في العمل الحكومي تحديداً لا توجد معايير واضحة للكفاءة، وهذا ما يجعل المهمة كمن يبحث عن إبرة في كثبان الربع الخالي، فالمعيار الحقيقي هو أن يكون مسؤولك المباشر راضيا عنك، ومن يقول غير ذلك فهو يمارس تنظيرا مثاليا جداً بعيد عن الواقع، والرضا هذا لا علاقة له بالمهارات أو القدرات أو مستوى الإنتاجية، بل إن تقضي جزءا كبيرا من حياتك العلمية تخمّن الأشياء التي تجعل مسؤولك يكون راضيا عنك وهذا ما يبرر وجود 25% من القياديين فوق أعمار الـ51 عاماً، وما يجعل الرهان – مثلاً - على استقطاب الشباب العائدين من الابتعاث بمؤهلات عليا ومن جامعات مرموقة رهاناً في غير محلّه، رغم ما يتمتعون به من تأهيل ومعرفة بالنظريات الحديثة في الإدارة والقيادة، فربما يدفعهم حماس الشباب إلى خرق بعض الأنظمة (العتيقة المقدسة)، فكيف تثق فيمن يرى أن الايميل يكفي عن حضور المواطن ليسمع كلمة (راجعنا بكرا)، وكيف تجعل شاباً تخلى عن (هويته البيروقراطية) المتمثلة في (الملف الأخضر) ويرى أنها مجرد تقليد بائس، من يحملون مثل هذا الفكر ينبغي أن يقضون سنوات عديدة يرتبّون أوراق الأرشيف، وينهلون من فكر المعمّرين من القياديين، ويرتوون من معين البيروقراطية، وعندما يصلون لمشارف الخمسين ونتأكد – بعد تزكيتهم من القيادي صاحب المؤهل ما دون الجامعي – ونتأكد أنهم (تراجعوا) عن أفكارهم الغربية التي لا تناسب خصوصيتنا الوظيفية سيكون أمامهم فرصة لأن ينالوا الثقة في القيادة، وسنقوم بنفس عملية (التدجين) و(الترويض) للجيل الجديد حتى تنطبق عليه المعايير (غير المكتوبة)، والمعروفة حتى لـ(قهوجي) المدير الذي يكون غالباً هو الرجل الثاني في المؤسسة بعد المدير مباشرة، حتى نائب المدير إن كان يطمح في القيادة فعليه أن يكسب ثقة (قهوجي المدير) ليعرف الأوقات المناسبة لطرح رأي أو اقتراح على المدير، ولهذا عندما تتفاجأ بترقية مسؤول لمنصب أعلى، وتسأل عن المؤهلات التي أهلته لهذا المنصب الجديد، فإن الإجابة غالباً تكون: (الرجال قوي)، وهذا مصطلح إداري سعودي يعني أن الرجل لديه (واسطة)، وأتمنى أن لا يأتي أحد الأصدقاء (الإسبان) ويقول ما معنى كلمة واسطة؟، وقتها سأُجيب بعد تعديل جلستي، وفاصل من (في الحقيقة والواقع) – غالباً الكلام الذي يأتي بعد هذا الفاصل يكون كذبة برداء دبلوماسي أنيق- الواسطة هي الشفاعة، هل رأيتم إجابة أكثر لؤما ومراوغةً من هذه الإجابة؟!