(العلماء الحقيقيون) وتقنية جديدة لاجتثاث (السكري): هل تفاجئنا (الصحة)؟

أشعر بسعادة بالغة كلما قرأت عن اكتشاف طبي جديد، سواء يتعلق بالوصول إلى مسببات الأمراض المستعصية، من تلك التي لم يكشف عن أسبابها، أو ما يتعلق بعلاج جديد لأي مرض مزمن، وأشعر أن هؤلاء الذين يقضون أعمارهم في المعامل والمختبرات بحثا عما يسعد البشرية هم العلماء الحقيقيون في أي مجال علمي كانوا يبحثون ويجربون، بل أعتقد أنهم وحدهم من يستحق التبجيل والتخليد بعد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وهم القدوة التي يجب على أي أمة نابهة، أن تضعهم في مقدمة كتب التاريخ والقراءة، التي تعلمهم إياها، وتملأ أنفسهم وأرواحهم بشذى سيرهم العظيمة، واكتشافاتهم واختراعاتهم التي يعيش العالم في ظلال خيرها، وليس قادة الحروب، وصناع الأسلحة، ورواد الخراب والدمار والقتل.
ومن المعروف أن دول العالم المتقدم تمنح هؤلاء العلماء أرفع الجوائز وأعلى الأوسمة، وقبل ذلك تهيئ لهم المعامل والمختبرات التي يحتاجونها، والأموال التي يستدعي جهدهم صرفها مهما كانت باهظة، ومن أجل هذا نهض ذلك العالم وتقدم وما زال يسابق الزمن للوصول إلى مكانة أفضل، بينما العالم الثالث إجمالا ما زال يرسف في أغلال تخلفه بسبب جهله، وحتى الأموال التي تقع - صدفة - في يده يصرفها على الاستهلاك من منتجات العالم الأول، وفي نعراته واقتتاله وسفهه، واستماتة كل فئة منه في سبيل حمل الفئة - أو الفئات الأخرى - على الرضوخ لأيديولوجيتها أو توجهاتها السياسية، أما البحث العلمي، فلاشيء يذكر لديه، ولو استعرضت كل ميزانيات وخطط كل دول العالم الثالث فإنك لن تجد سيرة ولا ذكرا لهذا البحث، وإن وجدت فسيكون في ذيل الاهتمامات والصرف، ولهذا نجد نوابغ أبنائه وبناته إما مهاجرين أو مستقطبين إلى بيئات الغرب العلمية، ومناخاتها المهيأة، وإغراءاتها الهائلة.
هذه الأيام أتابع غالب ما ينشر عن علاج جديد لمرض (السكري)، وهو كما يعلم الجميع أصبح مرضا عالميا مزمنا، ليس له علاج لاجتثاثه نهائيا، وإنما أدوية مرافقة للمصابين به طيلة حياتهم، ولهذا فإن أي بشرى للمصابين به في العالم، وهم كثر من مرضى النوعين (الأول والثاني)، وعندنا في المملكة تصل نسبة المصابين إلى 34% من الرجال، و27,6% من النساء، أقول إن أي بشرى لهم ستكون حدثا تاريخيا ضخما في حياتهم، وللأجيال اللاحقة.
العلاج الجديد عبارة عن تقنية (إندوبيرير- End-Barrier ) وهي لعلاج أمراض السكري والسمنة (نسبة السعوديين المصابين بالسمنة 74% ونسبة المصابين منهم بالسكر 85%)، هذه التقنية ظهرت في ألمانيا، ولا أعرف اسم مبتكرها أو مخترعها، ثم انتشرت في أوروبا، وهي عبارة عن دعامة مصنوعة من مادة رقيقة وشفافة يتم إدخالها بالمنظار إلى الأمعاء دون تدخل جراحي، ولها تفاصيل أخرى، والدراسات أثبتت نجاحها هناك بنسبة 87%، وهي تسهم في جعل السكر في معدلاته الطبيعية، وكذلك الوزن، وكما يقول الأطباء إنها تمثل علاجا نهائيا يغني المصاب عن استخدام الأدوية التي اعتادها.
وبشرى تطبيقها في المملكة زفها لنا البروفيسور (سالم بازرعة) استشاري أمراض الكبد والباطنة ومناظير الجهاز الهضمي والأستاذ بكلية الطب في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، الذي حاورته (عكاظ) يوم الثلاثاء الماضي، وقال إنه سيكون أول من يجريها بالمملكة بإشراف خبير عالمي، في شهر نوفمبر القادم، وقال إن التكلفة تتراوح بين (30-40) ألف ريال، وأظن أن معنى هذا أن البروفيسور سيجريها في مستشفى خاص، وليس الجامعي، وهو قطعا معذور، حيث لا وزارة الصحة، ولا المستشفيات الجامعية، مستعدة لاستيراد التقنية وتجهيزاتها، ولا استضافة خبير عالمي للإشراف على التطبيق، وأنا على ثقة أنها ستنتشر في المستشفيات الخاصة الكبرى، وسيتحمل المصابون التكلفة، ولا سيما أن أغلبيتهم يصرف على أدويته وفحوصاته من حسابه الخاص، إلا إن فاجأتنا وزارة الصحة بتحمل تكاليف إجرائها لكل المصابين من المواطنين، مع توفيرها لهذه التقنية في مستشفياتها، حتى تتضافر جهودها مع القطاع الخاص للقضاء على هذا المرض المزمن الذي يزداد انتشارا، ومن يدري فقد تحدث هذه البشرى السعيدة والمفاجأة السارة!!