أشخاص عاديون يغيرون العالم
الأربعاء، ١٥ أكتوبر ٢٠١٤
يقدم الكاتبان الزوجان نيكولاس كريستوف (كاتب في نيويورك تايمز) وشيرل وادون، في كتابهما الجديد “A PATH APPEARS” (مسار يظهر)، قصصا إيجابية لأفراد يجعلون العالم مكانا أفضل، وذلك بعد أن ألقيا الضوء في كتابهما السابق “HALF THE SKY” (نصف السماء)، على صراعات تواجهها النساء والفتيات حول العالم.
ويدور الكتاب الجديد لكريستوف ووادون، وهما أول زوجين يحصلان على جائزة بوليتزر للصحافة، حول حياة امرأتين غيرتا حال نيروبي من خلال توسيع الفرص التعليمية للفتيات واستخدمتا طبيبا أمريكيا في سبيل محاربة المشاكل الداخلية التي تعاني منها المدينة. وكذلك قصة امرأة في مالاوي، استخدمت الدونات لتغيير مسار حياتها مع زوجها.
“ناشيونال جيوجرافيك” التقت المؤلفين وأجرت معهما هذا الحوار:
1 يأتي عنوان الكتاب من اقتباس الأديب الصيني المعروف لي شون، كيف ألهم هذا الاقتباس الكتاب؟
- يقول الاقتباس: “إن الأمل مثل طريق في الريف. بشكل أساسي لا يوجد هناك شيء، لكن مع مرور الأشخاص في هذا الاتجاه مرارا وتكرارا يظهر الطريق”. ظننا بأنه مناسب جدا لهذا الكتاب، لأن الأمر يتعلق حقا بذلك، بأنك إن وفرت المزيد من الموارد لمشكلة ما، فسيظهر الحل. وفعلا يتحدث الكتاب عن كل الحلول المختلفة التي تراكمت عبر السنين. تركز معظمها على المشاكل المحلية، إلا أن هناك كثيرا من الحلول التي لم نطبقها على المقياس الكبير كما كان ينبغي.
- من المهم أيضا أن نذكر أن هذه الحلول هي نتاج أحلام أفراد، مما يلقي الضوء على فكرة أن القليل من الأفراد يمكنهم صنع اختلاف. أعتقد بأن هذه الفكرة غالبا ما تضيع خلال حديثنا عن تحديات الفقر. فنعتقد بأن على الحكومة التدخل، لكن في الواقع يمكن للجميع المساهمة.
""وادون""
2 يقول نيلسون روكفيلر: “ينبغي أن يبذل الرجل قصارى جهده، ويعطي كل ما باستطاعته”. فالعمل الخيري الخاص يعد حجر الأساس في الثقافة الأمريكية، لكنه ليس كذلك في الأماكن الأخرى. ففي أوروبا، لا يتوقع الناس الإحسان، بل يتوقعون من حكوماتهم توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية. ماهو موقفك من ذلك؟
- أنا أوافق بأن الحكومة قد تركت مسؤولية توفير الخدمات، خاصة للأطفال. هناك احتياجات يائسة بين العديد من الأطفال في أرجاء أمريكا. لن نفكر ببناء نظام طريق سريع بين الولايات بالطلب من الأفراد كتابة الشيكات أوأن يقوموا بالحفر شخصيا. أتمنى لو تتوجه الحكومة نحو هذه الاحتياجات، لكنها لا تفعل ذلك. وفي غيابها، أعتقد بأنه من المهم تحفيز الأفراد ليقوموا بالتبرعات وصنع الاختلاف حيث أمكنهم، ولتأييد هؤلاء الذين لا يمتلكون صوتاً.
""كريستوف""
3 بدأتم بقصة هي حقا قلب هذا الكتاب وإنسانيتنا، أخبرنا عن رايتشل بيكويث؟
- هنالك العديد من الأشخاص الذين يرغبون في صنع اختلاف، لكن قد يبدو بأن المشاكل كبيرة للغاية فلا يعلمون ما يفعلون. ورايتشل فاجأتنا كمثال لشخص قادر على توجيهنا نحو الطريق. كانت رايتشل بعمر الثامنة حينئذ. لذا إن كان بإمكانها اكتشاف الحل، فبإمكان أي شخص فعل ذلك. قد سمعت بالمشاكل المتعلقة بنظافة المياه في الدول الفقيرة، لذا قررت أن تتبرع بعيد ميلادها التاسع لصالح منظمة تدعى Charity: Water. وعوضا عن هدايا عيد الميلاد، طلبت من الأشخاص التبرع لهذه المنظمة، حيث أنشأت صفحة على موقعهم ووضعت هدفا بقيمة 300 دولار، إلا أنها أحبطت قليلا لأنها جمعت 220 دولارا فقط. بعد عدة أسابيع، تعرضت رايتشل لحادث سيارة. وبينما كانت في المستشفى، تحارب من أجل حياتها، كان المجتمع والأصدقاء يصارعون لمعرفة كيفية توفير الدعم والتكافل، فقرروا التبرع لصالح الحملة التي أقامتها، وسرعان ما ارتفعت التبرعات أكثر من 300 دولار، ثم تخطت الألف دولار، ثم الخمسة آلاف. لم يعلم والداها ما إذا كانت تستطيع سماعهم، لكنهم كانوا يهمسون لها ويخبرونها بتقدم حملتها وكسرها للرقم القياسي، وأنها تخطت حتى الهدف الذي وضعه جاستن بيبر لعيد ميلاده. للأسف توفيت رايتشل في النهاية. بالطبع لا يستطيع أي شيء تخفيف الحزن الذي يشعر به والداها، إلا أن الصفحة قد جمعت مبلغ 1.2 مليون دولار - وهو مبلغ غير عادي استطاع توفير المياه لـ 30 ألف إثيوبي. وبالنسبة لنا، تؤكد رايتشل القدرة التي يمتلكها كل شخص منا ليصنع اختلافا.
""كريستوف""
4 في مقال حديث في صحيفة “ذا غارديان”، تحدثت رئيسة الوزراء السابقة لأستراليا جوليا جيلارد، والممثلة كايت بلانشيت عن أهمية تعليم النساء. ويظهر بحثك حول الأعمال الخيرية الأمر ذاته، لماذا تعد النساء مهمات للغاية في تطوير المجتمعات والعالم؟
- إن قمت بتعليم المرأة وقدمتها إلى مجال قوة العمل الرسمية فسيصبح ذلك نهجاً عملياً نحو تغيير العالم حولهم. هناك مقولة يحب أن يستخدمها خبراء التنمية: إن قمت بتعليم فتى فسيكون جيداً للغاية، لكن لو قمت بتعليم فتاة فأنت تعلم القرية بأكملها. بسبب الدور الذي تلعبه في المنازل، فهي تربي الأولاد والبنات بطريقة أكثر تنويراً، وتظهر الأدلة الدور الحرج الذي تلعبه النساء في المجتمع. إن تم تهميشهن، فهنالك أيضاً أدلة أنه عند وجود الرجال فقط في المجتمع فستتميز الثقافة بخصائص قد تكون أكثر عنفا، لذا فإنه من المهم للغاية دمج النساء في المجتمع. لكنهن لن يكن منتجات إلا إن كن متعلمات.وأحد التطبيقات العملية الأخرى عند تعليم المرأة، هي إنجابها عدداً أقل من الأطفال. وذلك مهم للغاية لأن هنالك الكثير من المضاعفات في نمو السكان على الدولة وعلى العائلة. فمن الصعب إدارة أمور المزيد من الأطفال إن كنت فقيراً وتتكبد تكاليف الطعام والعناية الصحية والتعليم.
""وادون""
5 تظهر قصة بيتي روس ناسوني كيف قام برنامج ادخار مصغر في القرية بتحويل حياة عائلتها، أخبرينا عنها؟
- يعد الادخار المصغر أحد أكثر الأدوات الفعالة في تمكين المرأة. لقد كانت حالة بيتي روس مثيرة للاهتمام بسبب تجمع نساء القرية وجمع أموالهن معا لإعارته لها. تمكنت بيتي من تحويل تلك الثروة إلى شيء مذهل. بدأت بصنع الدونات. في البداية باعت بضع عشرات في اليوم، لكن الناس أعجبوا بالدونات التي تصنعها، وأصبحت تبيع المئات. أصبحت تدخل أموالا أكثر مما تخيلته عائلتها. كما كان زوجها يسيء معاملتها، لكن بعد اكتسابها للمزيد من المال رغب زوجها بالطبع أن يكون جزءاً من هذا العمل. أصبحا في النهاية بمثابرة أباطرة محليين. كانت هذه قصة نجاح حقيقية تركز على فعالية برامج الادخار المصغر. تظهر المواقف الاجتماعية تجاه المرأة غير المتعلمة وغير المنتجة، عدا إنجاب الأطفال، انعدام الاحترام تجاههن. ويمسك الرجال بزمام الأمور المالية، فعلى الرغم من أن الأطفال يحتاجون إلى الطعام أوالتعليم، فهم ينفقون الأموال على الكحول أوالمقامرة. كان زوج بيتي هكذا. لكنها عندما بدأت في كسب المال، بدأ هو في إيلاء الاهتمام. هما الآن في شراكة ويتفقان معا بشكل أفضل بكثير. نرى ذلك كثيراً - يرتفع شأن المرأة عندما تتمكن من دعم عائلتها، حيث يمكن للفقر أن يدمر العلاقات والعائلات. كما يرفع التمكين الاقتصادي من شأن جميع العائلة: فيبدأ الزوج باحترامها ثم يحترمها أطفالها، ويحترمها أهل زوجها وفي النهاية تحترمها القرية بأكملها.
""وادون""
6 أحد الأمور التي يقلق بشأنها العديد من الأشخاص هي المكان الذي تنتهي إليه تبرعاتهم. أتذكر قضية الحمام المقرر بناؤه في قرية في أفريقيا والذي دفعت ثمنه التبرعات. لكن عندما تتبع طاقم التلفاز القصة، وجدوا أنه قد تم تركيبه في المجمع الخاص بالشريف المحلي عوضا عن بنائه لاستخدام القرية.
- أنا واثق بأن معظم المنظمات الكبيرة مثل Oxfam أوSave the Children تمتلك سجلاً جيداً. لكن بالطبع هنالك الكثير من المنظمات عكس ذلك. إن مساعدة الناس أصعب مما تبدو. لقد أمضيت كثيرا من الوقت في زيارة المشاريع ومصادفة أمور لم تجر جيداً.فترى بئرا تم بناؤه بتكلفة كبيرة. لكن لم يكن هنالك بعد ذلك برنامج لمتابعة الصيانة، عندها يهترئ البئر ويصبح عديم الفائدة. علينا التفكير مليا في التأكد من أن تترك الأموال أثرا حقيقيا. فيقوم العقلاء بحفر الآبار إضافة إلى وضع برامج لصيانتها - إن تمت صيانتها فيمكن للبئر أن تستمر لـ 40 أو50 عاماً.
""كريستوف""
7 إحدى الحقائق المذهلة في الكتاب هي أن “الرجال عامة أكثر إحساناً عندما تراقبهم النساء”، هل شيريل هي الدافع خلف كرمك؟
- [ضاحكا] لا أعتقد بأن النساء هن الدافع المحفز. بل إن الرجال الذين يحاولون إثارة إعجاب النساء، خاصة الجميلات منهن، هم أكثر تعاطفا وكرما. لكن بما أن الأمر يحدث دون وعي مني، فلا أملك أي فكرة! علينا أن نفحص دفتر شيكاتي لمعرفة إن كنت أكتب الكثير من الشيكات عندما تكون شيريل بقربي.لكن ذلك يعكس حقيقة أكبر: وهي أننا نكتب الشيكات أونساعد الآخرين أونعطي في سبيل الخير ليس لمجرد إثراء الآخرين بل لإثراء أنفسنا، ولإثارة إعجاب الآخرين أو اكتساب الاحترام، وللشعور بشكل أفضل وحتى لتحسين صحتنا. هنالك منافع أنانية حقيقية من الإيثار. يمكن القول بأن الإيثار ذاته هو متعة أنانية.
""كريستوف""
- إن نيكولاس، بكثير من الطرق، يعد استثناء لهذه القاعدة. فهو متعاطف للغاية وكريم. عانت عائلتهم كثيرا، لكنهم وبفضل كرم الكثيرين الذين قدموا لهم يد المساعدة أكملوا طريقهم نحو الغرب. العديد منا من المهاجرين، ونتذكر كيف تمت مساعدة العديد منا. تحصل العديد من الأشياء عند العطاء، ولا نعلم كيفية تجزئة ما يحدث إلى أجزاء. لكن الاعتراف الاجتماعي يلعب دورا كبيرا. هنالك دراسة لم تذكر في الكتاب حيث يحاولون جعل الأشخاص يقللون من استهلاكهم للطاقة.
""وادون""
8 يحقق علماء الأعصاب الكثير من الاكتشافات حول الدماغ، وفي مرحلة ما، خضع كلاكما لأشعة الدماغ من أجل تحديد أي المناطق في الدماغ تستخدم عندما تفكران بالأعمال الخيرية. ما لم تخبرانا به هو نتيجة تلك الأشعة. ما الذي اكتشفتماه حول نفسيكما من هذه التجربة؟
- ما اكتشفوه كان مثيراً حقا للاهتمام. اتضح بأن المناطق التي تضيء عند العطاء هي ذاتها المناطق التي تضيء عند الانغماس في المتعة كتناول الايسكريم أوالوقوع في الحب. وحصل أكثر من نصف مواضيع الاختبار على متعة من العطاء تفوق تلك التي شعروا بها عند تلقي الهدايا.
""وادون""
- بشكل رئيسي، في العطاء مباركة أكثر من التلقي.
""كريستوف""
9 إذا هل ينبغي أن تصبح عبارة “البقاء للأقوى” “البقاء للأكثر كرما”؟ أخبرانا كيف اكتشف علماء البيولوجيا أننا قد نكون مبرمجين نحو السلوكيات الإيثارية منذ زمن يعود حتى العصر الحجري؟
- احتار داروين بشأن ذلك، واستمر علماء البيولوجيا التطورية في ذلك منذئذ. لطالما اشترك البشر والحيوانات الأخرى في أعمال إيثارية ليست منطقية تطوريا بشكل جوهري. حتى الجرذان ستضغط على رافعة ما لتسمح لبقية الجرذان بالوصول إلى الطعام. لوكان الأمر حول البقاء للأقوى، فلن تكون مثل هذه التصرفات منطقية. أطلق الأشخاص الكثير من النظريات لتفسير كون الإيثار منطقا تطوريا.ويبدو أن أفضل التفسيرات هو أن عبارة “البقاء للأقوى” لا تنطبق على مستوى الأفراد بل على مستوى الجماعات. فلو كانت إحدى العشائر أوالقبائل متعاونة أكثر واعتنى أفرادها بعضهم ببعض، فستمتلك هذه القبيلة أفضلية على القبائل الأخرى التي لا يهتم أفرادها سوى بأنفسهم. وعلى نطاق أكبر، فهنالك آليات عمل بسبب المنافع التطورية للكرم. في سلوك التزاوج على سبيل المثال، نقدر كثيرا الأشخاص الذين يبدو عليهم الكرم.
""كريستوف""
- تعرف داروين بنفسه على قيمة التعاون. البشر كائنات اجتماعية للغاية، وأكثر مما نعتقد. هنالك نظرية تدل أنه عند التعاون، قد تنجو بشكل أفضل مما لوكنت وحيداً وتعتني بنفسك فحسب، لأن الأشخاص الآخرين لا يعتقدون بأنك تساعد المجموعة. لا نفكر دوما بذلك عندما نفكر بمسألة البقاء للأقوى. لكن داروين اعترف بذلك، كما اعترف بالتعاطف كجزء من البقاء.
""وادون""
10 أحد الأشياء التي وجدتها مثيرة للاهتمام هي نقاشك حول الاقتصاد الاجتماعي والكرم، هل يمكنك شرح ذلك؟
- يتبرع أثرى 20 % من الأمريكيين أقل بكثير من أفقر 20 %. لا أعتقد أن ذلك لأن الأثرياء أقل تعاطفا أو رحمة بطبيعتهم. عوضا عن ذلك، لوكنت ثريا، يمكنك عزل نفسك عن الحاجة بفعالية. لكن إن كنت فقيرا في أمريكا، فسترى أشخاصا أكثر احتياجا منك يوميا، وستستجيب عند رؤيتك لذلك. إنها أحد التحديات، ونأمل أن تكون أحد الأسباب للكتاب - أن نصل إلى بعض هؤلاء الأشخاص الأثرياء ونساعدهم على معرفة أن بإمكانهم إحداث تأثير.
""كريستوف""
11 سيحصل القراء على الإلهام من القصص التي ذكرت في الكتاب والرسالة التي يحملها للمجتمع العالمي، ما الذي تعلمته عن الإنسانية وعن إنسانيتك وأنت تكتب وتقوم بالأبحاث لهذا الكتاب؟
- أعتقد بأن أكثر شيء ترك انطباعا في نفسي هو تأثير التغذية. هنالك دراسة أجريت على الأطفال الذين تم الحمل بهم في أوقات معينة. وتظهر بأنهم كبالغين فهم أكثر عرضة للإعاقات، خاصة الفكرية.كما تظهر دراسة في بوخاريست رومانيا عن الأطفال الأيتام بأن الأمر المهم هو العمر الذي تم إخراج الأطفال فيه من دور الأيتام المريعة. حيث لو تم إخراجهم قبل سن العامين ووضعهم في عائلات محبة لأظهروا بعض المرونة. أما إن تم إخراجهم بعد سن العامين فلن يستعيدوا حقا ما فقدوه قط. حتى عندما كانوا في سن أكبر بكثير، يمكنك رؤية حصيلة ما اختبروه في ذلك الميتم من خلال أشعة الدماغ.
""كريستوف""
12 هنالك العديد من المشاكل في العالم، والعديد من المنظمات التي تبحث عن التبرعات الخيرية، لدرجة تشعرنا بالارتباك. أنتم تساعدوننا في التخلص من ذلك وإيجاد ذلك الطريق الذي يمكننا من صنع الاختلاف؟
- بالطبع. إنه أمر مهم للغاية وينبغي أن يكون جزءا من حياتنا، وليس مجرد فكرة عابرة أو للمتعة. يمكن للعطاء أن يكون أمرا يضيف الكثير من المعنى إلى حياتنا.
""وادون""