قبل عصر قصور الأفراح!!

يفتح الباب -بزمن لم يكن للأبواب حضورها الطاغي- بكلمة «مرحباً»؛ ويغلقه بكلمة حاسمة: ليس لدينا بنات للزواج!! فهو يرى –رغم صلاحه- بقاء «الثمرة متّشبثة بـ»غصنها» وإن أينعت وغادرتها المواسم؛ ولم يخب ظنه ولا حدسه أبداً؛ بقيت الثمار صامدة فلا «ضمور» ولا «سقوط» حتى في سنوات «الجدب»!
كانت «راضية» أولى نجمات «السماء» التي اصطدمت بهذا الواقع وشقيقاتها «الخمس»! أكبرهن كانت؛ وأكثرهن سطوعاً وتوهجاً! إنها مؤمنة ببقاء «النجوم» بعيدة المنال في فلك «السماء»؛ وقد علّمتها السنوات أن «وأد الأحلام» مستطاع إن كانت الغاية أسمى وأجلّ! فهي لم تختر حياتها لتقرر كيفية عيشها؛ وتبعاً لمصيرها فهي كاسمها «راضية»!
تتابع العمر؛ وخيّم «الفقد» على بيتٍ غادره الفرح؛ كان نصيب «راضية» منه مضاعفاً وهي تخطو وئيداً صوب خريف الثامنة والأربعين! رأت والدها -ذات منام- يَرِدُ وحيداً الماء؛ يترك الينابيع الصافية ويفتش بحثاً عن معينٍ خاص! توقفت وهي تراه منكبّاً ينهل من معينٍ له لون ورائحة الدم ويبكي! انتبه لها فجأة فزاد نحيبه متذللاً: سامحيني يا ابنتي! لم يكن ليتحرك شعورها بالظلم حتى في الرؤيا! كانت متماسكة كعادتها وكأنها لم تفقده أو تفقد شبابها! استيقظت لتوصل لشقيقاتها «أمانة» -كلّفها بها والدها- بأن يسامحنه ويتزوجن! كللتها مشاعر الاطمئنان بإيصال الأمانة وهي تشيع آخر أخواتها لعشّ فرحٍ كان مؤجلاً! جاذبتها رغبة التوقف أمام المرآة الوحيدة؛ لا لمحاولة تفقّدِ لمعان جمالٍ غارب وإنما للتأكد من تلاشيه للأبد! نظرة طويلة لم تعكس سوى الثقة التي اكتستها ملامح صارمة! أعقبتها ببسمة هازئة وهي تشدّ على رأسها «شال» والدها! انهمكت بشدّ حزامه المليء بالرصاص ممسكة «بندقيته» بكلتا يديها إنما بقوة وحماس! كان نصيبها من إرث والدها ثلاثة جمال حين اختفت فجأة! إنما كان الناس إثر ذلك يتناقلون حكاية امرأة غريبة؛ يؤكدون وجودها بأثر بقايا قافلتها التي تستريح عند ينابيع وآبار المياه دون أن يستطيعوا تحديد وجهتها! يقولون إن رحلتها تبدأ دائماً في المساء؛ تجوب قفار وأحراش «تهامة» راجلةً؛ تهتدي بالـ»نجوم»!

haddadi.m@makkahnp.com