أحلام شاغرة

... وهي تلك التي لم تُشغل بعد بكينونة الحقيقة، ولم تزل بعد في المسافة ما بين الإمكان والتحقق.. وهي تلك التي ترنو إليها أبصار الخريجين العاطلين قلقة حائرة، تواقة لبلوغها مرحلة الاطمئنان.

والأحلام هنا.. ليست تلك التطلعات والأماني باليسر والرفاهية والرغد، بل هي الأعفّ الأدنى والأنبل من ذلك كله..! فهي (الوظيفة) وإن شئت مدَّها على بساط من البيان أوسع؛ فهي (فرصة العمل)، التي باتت أعز وأندر من الضياء الحارق في نهاراتنا.
وبإحصاء بسيط يمكن التعرُّف على بياناته عبر أي محرك بحث، يمكن لنا أن نحصي عدد الوظائف التي أُعلن أنه سيتم توفيرها للمواطنين والمواطنات، خلال السنوات الخمس السابقة. وقد تجاوز عددها المليون وظيفة، تتوزعها مدن اقتصادية، ومشاريع أخرى متوسطة وكبرى، أُعلن عنها قُبيل وفي بداية تلك المدة عبر البيانات والتصريحات الإعلامية التي تسبق وتواكب عادة مثل تلك المناسبات. حتى إذا ما استبشر عشرات الآلاف - من حملة الشهادات الجامعية وما دونها، وما فوقها، والعائدين من رحلات الابتعاث، وكل المبشَّرين بالوظائف - بهذه العناوين التي يكاد بريقها يخطف منهم العيون والمهج، وانتظروا ثم انتظروا لحظة تحقق ما بُشِّروا به، آبوا بالخسران.. فلا وظائف ولا هم يفرحون.
وليس غير الإعلان عن أرقام أخرى تعدهم وتمنِّيهم. وليست ثمة أفق يسع أحلامهم المشروعة البسيطة بالوظيفة.
ناهيك عن أن بعض المشروعات نفسها لم يتحقق، ولم تتجاوز حقيقتها بهرج المجسَّمات التوضيحية، والنماذج الديكورية والتصويرية والخطب العصماء، وصار أولئك الحالمون صرعى ولع القائمين على المشاريع بالأرقام؛ وبصيغة (أفعل): (أفضل وأكبر وأوسع وأعظم وأول)، التي غالبا ما يزيِّن بها خطباء الاحتفالات كلماتهم، ويُحلُّون بها ديباجاتها؛ في سياق أن ما تحقق من مشاريع وبنى وكيانات اقتصادية وخدمية صحية وتعليمية وبلدية... إلخ، يُعد كذلك، ويفوق ما هو موجود في العالم، وإن تواضعوا، ففي الشرق الأوسط. وهو ليس دائما كذلك. غير أن هذه الصيغة/ اللزمة الخطابية التي كانت مقبولة قبل عقد أو عقدين من الزمن، لم تعد مقبولة ولا مستساغة الآن، لأن المواطن الذي يتوجه إليه ذلك الخطاب، أصبح يتابع ويتلقى الأخبار والمستجدات من أكثر من جهة، وأصبحت الخيارات والبدائل التواصلية والإعلامية، متاحة ومتعددة أمامه. ومن ثم فإنه يُفاضل ويميِّز ويقيِّم. وهو المواطن ذاته، الذي لم يعد ينطلي عليه أن هذه الرافعة اللفظية الأسلوبية، دون مستوى عقله ونظره، بل تهوي بنفسها في قاع المقارنة والموازنة، بين ما تحقق في بلاده، وما هو موجود في غيرها.
وهو المواطن ذاته، الذي لا يراهن كثيرا على الأرقام الوظيفية، التي ستسعد بانتظاره وتدعوه: حيا على الوظيفة.
والمتأمل لهذه الظاهرة التي بتنا نختص بها - ضمن خصوصياتنا الكثيرة - يلاحظ أن ثمة خللا ما.. نجهل بداياته وخطوطه وخيوطه، ونجهل أسبابه ومعطياته. بينما تتبدى لنا مظاهره ونتائجه، وتعصف بنا تداعياته وتبعاته.
خلل يورِّث قوائم العاطلين، مزيدا من الشعور بالإحباط، حيث لا يفتك بهم الفراغ وطول الانتظار.. فقط؟، ولكن تفتك بهم أيضا، تلك الكتلة الصماء (المتجددة والحيوية) التي ما فتئت؛ تُفرز الأرقام تلو الأرقام، عن الوظائف وبيادر الأحلام التي لا تلوي على غير فج الكلام، والسحب من مزودة الأرقام بلا حساب، وإذا ما كان ثمة مستخلص يمكننا الخروج به من هذه الظاهرة، فهو تدني الوعي بالمسؤولية في مثل هذه التصريحات، وغياب إدراك آثارها على جمهور المتلقين، أو عدم الاكتراث بذلك على أقل تقدير.
وفي كلِّ ضرر وحيف أليم، يطال المواطن والوطن، هاتان المفردتان النابعتان من جذر سَنِي، والمتمازجتان شكلا ومعنى، والمتكاملتان قيمة ودلالة.
المواطن.. الذي أسرف بعض المسؤولين في المتاجرة بأحلامه، وتسويق بضاعة الأرقام أمام ناظريه - يا فدى ناظريه - والاستخفاف بمآلات انتظاره لتحقق تلك الوعود.
والوطن.. الذي يستحق من المسؤول أن يكون بمستوى ثقة المواطن به، وواجب الوطن عليه، في حدود ما عُهد إليه من مسؤوليات.
والوطن المستقبل، الذي يتنفس المواطن نسماته وهبوبه/ جنته؛ التي استخلف فيها، وينتظر أن يجد فيها مكانا يمارس من خلاله إنسانيته ومواطنته.
الوطن الذي يكفل له ضروريات حياته وكرامته.
ولكن أين معانٍ كهذه، من مسؤول، أَتخم آذاننا بالوعود لحظة احتشاده بنشوة الحديث عن تنمية هنا، أو محفل للمستقبل المنتظر هناك؟ والله المستعان.