داعش "لُعبة" لم يحن وقتُ انتهائها!

عطفاً على السياسية الأمريكية في المنطقة يُمكن القول: أيّما حدثٍ ينشغل العالمُ كلّهُ بمحاولة فك شيفرة: «لغزه» ليبلغوا بالتالي حدّا متناهياً من اليأس في مقاربة «حلّه» فالجزم إذن بأنّ «أمريكا» هي مَن تكمن في تفاصيل صناعته بصورةٍ أو بأخرى، يكاد أن يكون جزماً هو الأقربُ إلى اليقين من أيّ شيءٍ آخر. وباستطاعة أيّ أحدٍ أن يستعيد جملةً من الأحداث-وشخوصها- التي ألمّت بنا وبخاصةٍ تلك الأحداث التي تأذينا منها كثيرا واكتوينا بنار لظاها، فلا بد وأنّها قد انتهت مسرحيتها بوصفها حدثا له بدايته ونهايته فسريعاً ما ينطوي نسياناً؛ إذ إنّ الحدث الأخير الذي جاء من بعده أنسانا الأول؛ في حين بقية الأحداث الأولى –وللتو- لغزا لم نفهم بعد-ولا قبلا- كيف كانت نشأتها وكيف تنامى شخوصها وكيف وكيف!؟. بوسعك أن تتذكر -للتفطين فقط- القاعدة وشخوصها والكيفية التي آلت فيها إلى مخزنٍ في صناعة الإرهاب وفق كتاب الفقه الأمريكي!
وليس بخافٍ أنّ «داعش» وفق تمدّدها السرطاني المدهش، وحدها يُمكن أن تكون شاهد إثباتٍ على «أُحجيّة» تمت صياغة ألغازها بأسلوبٍ «أمريكيٍّ» يشي باستراتيجيّةٍ كان من شأنها أن بلورة «داعش» بصورةٍ تكفل للمشروع الأمريكي توكيد مركزيّته في المنطقة العربية السياسي والميداني والذي يدفع باتجاه المشروع الصهيوني تحقّقاً شئنا أم أبينا.. ونجاحات «داعش» تسير بقفزاتٍ هائلةٍ وفق الرؤية الأمريكية في الكيفية التي تصنع فيها «بُعبعها» لتجعل منه فزّاعة.. ما يعني أنها استثمار أمريكي وبامتياز، غير أنّها لم تستنفد بعد ما فيها من مكتسبات، وعليه فاللعبة بقي لها كثير مع أنّ مآلاتها للانتهاء كما انتهت سابقاتها ذلك أنّ الاشتغال على إنشاء لعبٍ أخر ليس عسيرا فالمخزون «العربي» بما يتوافر عليه من السّفه السياسي وبقابلية -الإسلاميين- لإمكانية صناعة أيّ لعبة أخرى على النحو الذي تتغيّر مع الألقاب والكنى بأسماء أخرى بينما (الثيمة) واحدة والنصوص التراثية هي الأخرى بالقراءات المغلوطة يسهل توظيفها ثانية وثالثة ورابعة.
على أيّ حال.. وأيّاً يكن التوقيت -الأمريكي- الذي ستغرب فيه شمس «داعش» فإن الأسئلة هي وحدها ما يسوغ لنا أن نتوسّلها ابتغاء إحياء (موات) وعينا السياسي:
* لئن كانت ولادة: «داعش» تمّت بسِفاحٍ (استخبارتيٍّ) ظاهر الفحولة فإنه من العسير-على الأقل في هذه المرحلة- نِسْبَةُ داعشٍ لأيّ أبٍ -من العشرة- الذين اختصم المحللّون في شأنِ أبوّتهم لـ:«داعش»! ويبقى السؤال مفتوحاً عن من كانت هي: «القابلة» التي باشرت عملية التوليد لـ: داعش..؟
* إلى أيّ مدىً يصحّ القول: إنّ تنظيم «داعش» هو مَن أوجد كلّ المبررات الممكنة وغير الممكنة السياسية والأمنية والميدانية لمشروع :«بايدن» للعراق؟!
* هل يمكن الجزم بأنّ: «أمريكا» وهي تجد نفسها مضطرة للانسحاب من المنطقة جادة في إخلائها من وجودها ما يعني أنّ ثمة فراغاً استراتيجياً كبيراً تنتظره المنطقة برمّتها وهو بدوره يفرض سؤالا مقلقاً عن: مَن سيملأ هذا الفراغ الذي سيتشكل بالضرورة من بعد انسحابها..؟
* وهذا الفراغ الذي هو آتٍ لا محالة.. هل الحكومات المحلية ذات النزعة «الطائفية» باستطاعتها أن تملأه؟! أم أنّ الجماعات (الجهادية) لجملةٍ من أسباب أمريكية (في صناعة شرق أوسطها الجديد) باتت هي المرشحة لملء هذا الفراغ.. على النحو الذي تتمكن من خلاله أمريكا بإعادة جديدة لتوزيعات سايكس بيكو؟
وثمّة احتمال ثالث استوحت فكرته: «أمريكا» من بريطانيا إبان انسحابها من المنطقة إذ دفعت برسالةٍ- شهيرة- إلى أمريكا وذلك في العام 1947 كان مضمونها استخلافها في ملء الفراغ الذي أحدثه انسحاب بريطانيا حينها.. بمعنى آخر: هل تعيد أمريكا التجربة ثانية -وتتفرغ لما هو قادم- وذلك بأن توحي لـ:»روسيا» بطريقة أو بأخرى أن تتولى ملء هذا الفراغ الاستراتيجي بما لا يتعارض مع المصلحة الأمريكية..؟!
* غير أنّ عقل: «راعي البقر» يأبى عليه أن يتخلّص من عقدةِ –الهيمنة- إذ يأبى أن تفرط خيوط اللعبة من قبضته كما وأنه عقل عاشق لاستمرار اللعبة ولطالما كان يستمتع بإطالة أمدها.. وحتى إن خسروا جولاتهم المتكررة غير أنّهم مولعون بمتعة ذات الممارسة ويمضون باتجاه استثمار إطالتها حيث يتمكنون ثانيةً من إعادة ترتيب الأوراق لاكتشاف مصالحهم من زوايا أخرى.. ومن هنا نتساءل: داعش -ورغم الضربات الجوية- ها هي تسجل نجاحاتٍ غير مسبوقةٍ، أليس الأمر يدعو للجزم بأنّ «داعش» ذراع لتحقيق ما تتطلع إليه أمريكا سيّان في سياستها الخارجية والداخلية؟! وعليه فإنّ القضاء عليها سريعاً يفوّت على أمريكا ما كانت تسعى إليه وبسبب من هذا بإمكاننا أن نفهم التصريحات التي تنص على أنّ الحرب يمكن أن تمتد لثلاثين عاماً..؟!
* هل شارفت اللعبة الأمريكية في سوريا على سيناريوهاتها الأخيرة؟! ما يشي بأنّنا مقدمون على واقعٍ آخر سيتصاعد فيه نجم «داعش» بإشرافٍ أمريكيّ تقول من خلاله «أمريكا» للعرب بأنّها لم تزل بعد ممسكة بخيوط اللعبة السياسية في المنطقة في الأثناء التي لم يتبيّن فيها «العرب» بعْدُ هل هم (لاعبون) أم أنهم يقعون في مربع المفعول به ما يقطع يقيناً بأنّهم كما هي العادة (ملعوب بهم) وبكل اتجاه وعلى أي نحو كان اتجاه الريح الأمريكية؟!
* من السفّه السياسي-قراءةً- أن يتمّ في خضم هذه الأحداث تغييب معركة «الانتخابات الأمريكية» فإلى متى نظلّ بكلّ مقدراتنا البشرية/ والاقتصادية رهناً لخصومات ساسة البيت الأبيض.. وهو الأمر الذي نتجرّع مرارته لا في حاضرنا وحسب وإنما باعتباره قدر شرطاً لازماً في صناعة مستقبلنا.. ثمّ تتساءل-مختلف الإدارات الأمريكة المتعاقبة- عقب كل هذه الجرائم التي تجترحها لماذا العرب/ والمسلمون يكرهوننا؟!
* ما أحسب أنّ أحداً يمكن أن يختلف مع مَن يقول: إنّ-داعش- هي من أبرز الأسباب حين صناعتها- لأن تكون منعشاً للاقتصاد الأمريكي إذ يمر هذا الأخير بفتراته الأصعب والأكثر حرجاً.. وعليه فلماذا السرعة بالقضاء على داعش -ومن سينبعث من رحمها لاحقاً- ونحن نرى في الغطاء المالي للتحالف الأمان لاقتصادهم.. ذلك وأننا نحن العرب من سنتحمّل تبعات إنعاش الاقتصاد الأمريكي؟!
* وأخيراً.. بإمكانك أن تعرف ما لا يعرفه سواك في شأن الحراك الأمريكي في المنطقة وذلك بأنّ تبحث عن كلّ ما هو خفيٌّ بين ثنايا أعطاف عباءة «السفير الأمريكي» إذ إن في عباءته كلّ محجوب!