أغطية الصرف الصحي.. وماذا بعد؟!

كم هو مؤسف ومزرٍ أن تبتلع غرف الصرف الصحي الأبرياء، في مشهد مخز، ومنظر مشين، يحير العقلاء.

هذا ما وقع قبل عدة أيام، وتحديدا يوم الخميس الماضي، عندما قضى طفل ووالده نحبهما نتيجة سقوط الطفل في خزان صرف صحي ونزول والده في عملية محاولة إنقاذ لابنه ليلحق به رحمهما الله.
وبحسب فريق التحقيق بمدني جدة فإن الطفل الذي يبلغ من العمر خمس سنوات كان برفقة (والديه) أمام أحد المراكز التجارية، وأثناء سيرهم على الأقدام تقدمهم الطفل بخطوات وتعثر في عتبة خاصة بفتحة خزان صرف صحي دائرية الشكل (مفتوحة) قطرها 90 سم تقريبا ليسقط الطفل بداخل الخزان أمام والديه، ليسارع والده - وهو في العقد الثالث من عمره - بالنزول خلف ابنه محاولا إنقاذه وفي هذه الأثناء لم يكن لوالدة الطفل إلا طلب النجدة لإنقاذ ابنها وزوجها لانتشالهما من وسط خزان الصرف الصحي، ليهرع إليها عدد من المواطنين المتواجدين بمنطقة الحادث محاولين نجدتها، وفي تلك اللحظات المؤلمة كانت تمر دورية أمنية توقفت على الفور وترجل منها العريف ياسر علي الغامدي الذي سارع بالنزول إلى فوهة المنهل مخاطرا بحياته ومحاولا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وبجهد كبير استطاع انتشال الأب الممسك لحظتها بابنه ذي الخمس سنوات، ونظرا للمواد والغازات السامة التي تفقد الشخص القدرة على التحكم داخل خزان الصرف سقط الطفل من يد والده ليعود من جديد وتغمره المياه الآسنة داخل الخزان. هل تصورتم - أحبتي القراء - هذا الموقف المؤلم؟
الأب وابنه فارقا الحياة بسبب غطاء خزان الصرف الصحي والذي لا يتجاوز سعرها 100 ريال؟
من المسؤول عن هذا الإهمال؟ ومن المخول بالمحاسبة والمعاقبة مع اليقين التام أنه مهما كان رادعا فإنه لن يعوض فقد روحين قضت نتيجة ذلك الاستهتار، لكنه مطلب ملح، ويرجى ألا يطول أمد إعلانه، فالنفوس حرّى والقلوب جرحى، ولنا أن نتصور حال تلك الأم المكلومة ربط الله على قلبها!
هذه ليست الحادثة الأولى – وبالطبع لن تكون الأخيرة - فقبل أشهر قليلة سقط شخصان في حفرة للصرف الصحي في منطقة الخليل بالمدينة المنورة، حيث تعرض أحدهما لإصابة خطيرة، والآخر لمتوسطة بعد نقلهما لمستشفى الملك فهد.
ناهيك عما تسببه أغطية الصرف الصحي من أضرار بالغة للمركبات، وقد سبق لكاتب هذه السطور المطالبة بتعويض قائدي المركبات عن كل ضرر تتسبب فيه هذه الأغطية من تلفيات للسيارات، فهي إما أن تكون مرتفعة أو منخفضة، وفي كلا الحالين يكون
الضرر متحققا.
ولكن يبدو ألا مجيب؛ والسبب يعود – في تصوري – لغياب الجهات التي يمكن اللجوء إليها لاستيفاء الحقوق، والجهة المسؤولة (وزارة المياه والكهرباء) لا تلقي بالا لكل ما يحدث؛ بدليل ما وقع مؤخرا للشهيدين (على اعتبار موتهما غرقا) فإن الوزارة لم تظهر مطلقا في المشهد، ولم تعتذر أبدا، وكأن الأمر لا يعنيها، والجهتان اللتان كانتا في الصورة هما البلدية والدفاع المدني.
وهنا لا بد من الإشادة ببعض القانونيين الذين صرحوا بوجوب الغرامة والتعويض المالي، وكم يتألم المرء جراء سماع بعض المبررات السخيفة، فأحدهم ذكر العلة في عدم تغطية فوهة الصرف الصحي بأن الخزان يتم نزحه أربع مرات يوميا، وهنا تذكرت المثل الشهير: من أمن العقوبة أساء الأدب.
ليتنا نراجع أوضاعنا ونعيد حساباتنا، فعند وقوع حادث ما، يفترض دراسة الأسباب ووضع الحلول؛ حتى لا يتكرر، ومن الحلول وجود العقاب الرادع لكل صور الإهمال، ووضع الجهات المعنية تحت طائلة المساءلة وتحمّل التبعات؛ فمن المشاهد أن كثيرا من الجهات لا تهتم بما يجري، حتى لو كان ذلك في نطاق مسؤوليتها.
وهنا يفترض تفعيل دور هيئة حقوق الإنسان، والجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، فليس من المقبول ولا المعقول أن يستشري شرر هذه الأغطية ويتجاوز ضررها المركبات إلى إزهاق الأرواح، ويقف الجميع موقف المشاهد دون تحريك ساكن!
وفي اعتقادي أن هذا الحادث يثبت بما لا يدع مجالا للشك أهمية الكاميرات الأمنية وضرورة وجودها في جميع شوارعنا بلا استثناء (وهو محور حديث قادم بمشيئة الله).