الفنّ ونظريّة العدوى

يقدّم الكاتب الروسيّ الشهير ليو تولستوي في كتابة الطريف “ما الفن؟” تعريفًا دقيقًا وحضاريًّا للإجابة على سؤاله، مفاده أنّ الفنّ نشاط إنسانيّ وشرط من شروط الحياة البشريّة، وأنّه وسيلة ضروريّة من وسائل التواصل فيما بين الناس؛ لصالح تطوير حياتهم، وتوحيد أحاسيسهم في إطار إنسانيّ واحد، وأنّ هذه الأحاسيس مهما تنوّعت ضعفًا وقوّة، ومهما تباينت سوءًا وجودة، فإنّها إذا فعلت فعلها في ذات الفنّان، ثمّ انتقلت بالعدوى منه إلى المشاهد أو المستمع أو المتلقي بعامّة وأصيب بها فهي (هي) الفنّ ذاته.
لذلك يحمل تولستوي على معاصريه الذين كانوا يقولون بـ”الفنّ للفنّ” فيرونه لعبًا أو متعة وتعزية وتسلية؛ لأنّه كان يؤمن بأنّ الفنّ شيء عظيم، وهو وسيلة الحياة البشريّة؛ كلّ البشريّة؛ وليست جماعة دون جماعة، أو طبقة دون طبقة أخرى في المجتمع؛ إذ هو يحوّل حياة الناس المنطقيّة إلى أحاسيس. كذلك كان يحمل على القائلين بنظريّة “العلم للعلم”؛ لأنّه كان يرى العلم الحقيقي وغير الكاذب هو ذاك العلم الذي يحلّ مشكلات الإنسان بعامّة، ويقلّل من معاناته في الحياة.
فرسالة الفن كما يوردها في نهاية كتابه تكمن في نقل الحقيقة من مجال العقل إلى مجال الأحاسيس الحقيقيّة التي تفيد بأنّ خير الناس ينحصر في وحدتهم، وفي تثبيت المملكة الإلهيّة، ويقصد بها مملكة الحبّ الإنسانيّ التي تبدو لنا جميعًا بأنّها أسمى هدف لحياة البشريّة كلّها. لذا يخلص إلى القول بأنّ العلم قد يخترع في المستقبل مُثُلاً جديدة أكثر رفعة للفنّ، وسيحقّقها الفنّ، إلاّ أنّ رسالة الفنّ الواضحة والمحدّدة حتّى الآن هي تحقيق وحدة الناس الأخويّة.
نخلص من هذا التعريف إلى بلورة أركان أربعة للفنّ ترى فيه ضرورةً حياتيّةً، وتواصلاً بشريًّا، وإحساسًا إنسانيًّا، وعدوى وجوديّةً، وأهمّ ما في هذه العدوى أنّها هي ذاتها الفنّ في شكله ومضمونه، فبالقدر الذي ينجح فيه الفنّان في تحويل المنطقي والمعقول إلى شيء محسوس وملموس، ويبرع في نقله لأخيه الإنسان، يكون فنّانًا ناجحًا ومتألّقًا.