دكتوراه السريحي والفساد العلمي
الجمعة، ٢٠ فبراير ٢٠١٥
يبدو أن سنن الحياة لا تختلف ولو تعددت وتنوعت المجتمعات الإنسانية. ويبدو أن النظرة السائدة بأي ظرف يشغله الإنسان ستمارس سطوتها باستبداد من شأنه إسقاط كل من يحاول المرور عبر جسور غير جسورها.
ينبغي أن لا نندهش من الحقيقة المتضمنة وجود الفساد في المجتمع العلمي. وقد تتمثل صور الفساد لديهم في تبني استراتيجيات ومعايير يُزعم بأنها علمية ولكنها معدة بطريقة تقود إلى نتائج بحثية مقررة مسبقا (متحيزة منهجيا وموضوعيا) وذلك على حساب الإسهام المعرفي والأصالة العلمية. إن الحيادية (أو التحرر من التحيزات الإنسانية) من أهم مؤشرات القوة التي يمكن أن يتمتع بها البحث العلمي، والاستهانة بذلك يعني الانهيار لذلك الكيان.
لندخل في موضوعنا ونتساءل: ما معنى أن تقوم مؤسسة علمية بحجب رسالة دكتوراه قامت على منهج اعترف به المجتمع البحثي الذي قُدمت له وحصلت على قبوله بتقدير «جيد جدا»؟
ألا يدل قبول المجتمع العلمي على سلامتها من أي خلل خطير في المنهج التحليلي الذي اعتمدته والسياق الموضوعي للمحتوى والعرض؟
لقد أشارت المصادر المتداولة إلى أن سبب الحجب يعود إلى احتواء الرسالة على «أفكار وعبارات ومنهج غامض لا يتفق وتعاليم ومبادئ ديننا وبيئتنا ومجتمعنا الإسلامي». ولكن تؤكد الجهات المناصرة لقضية السريحي على أن الرسالة لا تحتوي على أي عبارات مخالفة للمعتقدات الدينية. وبالرغم من ذلك، لم يقدم مجلس الجامعة (والذي قد لا يمت بصلة للمجتمع البحثي للرسالة) أي مـــبررات لقراره من صلب ما يعتقده من افتراضات واستراتيجيات علمية يتبناها في التقييم، مكتفيا بتلك العبارة الإنشائية والتي تحــمل درجة كبيرة من الغموض هي أيضا. والمثير للاستغراب، قيام الجامعة بالتشكيك في إمكاناتها العلمية عــندما وصفت منهج الرسالة «بالغامض»، مشيرة وبطريقة غير مباشرة إلى ضعف لجنة المناقشة، والتي لم تدرك ذلك الخلل الخطير وأوصت بمنح الدرجة للسريحي.
إن الصمت الذي تعيشه الجامعة إزاء ما يتم كشفه من تفاصيل خانقة من جانب أنصار السريحي يرفع احتمالات وجود الفساد في الطريقة التي تنتهجها الجامعة في تقييم نتائج الأبحاث العلمية. يجب على الجامعة أن تقوم بتقديم مبررات علمية مفصلة تأخذ في الحسبان ما تحمله الادعاءات الموجهة ضدها، حتى يتمكن الشاهد من تقييم مواقف طرفي القضية والحكم على درجة نزاهة استراتيجيات الجامعة العلمية. إن الصمت لن يكون في مصلحة الجامعة، وقد يدل على وجود نهج استبدادي تجاه المجتمع الذي وُجدت كي تسهم في تنميته وتكون مرآة لقيمه وتطوره، وليس لإقصائه وتجاهل قضاياه.
ختاما، نأمل من الجامعة أن تبرئ موقفها بالرد اللائق، فتؤكــد بذلك على احترامها للمجتمع وتؤكد أن قرار الحجب كان مسـتندا على مبررات علمية واضحـــة وقوية، ولم يكن نتيجة مواقف متعسفة واستغلال متبجح للنفوذ الوظيفي، ما يعني الفساد.