من سيرة صحفي «بلوس»!

قلتُ من قبل إن عمر الصحفي في مجتمعنا لا يتعدى خمس سنوات، بعدها يتحول -سواء بوعي أو بدون وعي- إلى موظف علاقات عامة في أحسن الأحوال، وهذا رأي شخصي لا يستند إلى نظرية علمية أو إحصائية دقيقة، لكنه على أية حال يبقى رأي متابع (يحسب نفسه متابعاً جيداً) للصحافة المحلية.
ما دعاني لهذه المقدمة هي الهجمة “التويترية” على أحد أجرأ الصحفيين وأكثرهم نباهة ومهنية في صحافتنا المحلية، وسأتجاوز اسمه لأسباب كثيرة ليس أقلها الحب، ولا أكثرها منطقية أن يكون الطرح عن “حالة” بعيداً عن الشخص، فالصحفي اختار أن يدخل عش الدبابير الأكثر (سُميّة) عبر تتبع خيوط الفساد، وتسليط الضوء على أوكاره المظلمة، نقول المظلمة (مجازاً) وإلا فالحقيقة أن الفساد ينمو ويتكاثر تحت أضواء النيون والفلاشات أكثر!الصحفي قدره أنه يبحث عن الحقيقة أولاً، وبعد الوصول للحقيقة وكشفها يبدأ الانقسام حوله، فالمتضرر من الحقيقة يعتبر هذا الصحفي عدوه الأول، فيما ينظر له من يريد الحقيقة أن تُنصفه نظرة “البطل الشعبي”، هذا بشكل عام، أما في مجتمعنا فكل شيء (كالعادة) متداخل ومرتبك، فمثلاً قام ذلك الصحفي (النزيه) بكشف حالة فساد، وتتبعها بدأب منذ حالة الاشتباه حتى بوابة المحكمة، وكان لا يفصل بين كونه مواطنا شريفا وصحفيا نزيها في وقتٍ واحد، وطوال تلك الفترة التي استمرت أشهرا كان تحت وطأة ضغط المجتمع (المتناقض)، إذ إنه ولسوء حظّه كان المُبادر في كشف و”تصعيد” قضية الفساد، وسوء الحظ ليس في الأولوية، بل إن من ضمن المشتبه في ضلوعهم بالفساد أحد أقارب الصحفي، وهُنا تطل القبيلة برأسها كي تنعت الصحفي بلقب (البلوس)، وهذه المفردة بلغة القبيلة تُطلق على من يستعدي السلطة ضد أقاربه بغض النظر عن جُرم القريب، ففي أدبيات المجتمع الوطن يأتي دوما بعد القبيلة أو الطائفة أو الإقليم...وهذه حقيقة يعرفها ويؤمن بها الجميع بعد أن يخرجوا من المكاتب والقاعات الرسمية، وبعد أن تُخلع أزياء التصنّع الرسمية!على الرغم من ذلك، كان الصحفي يراهن كثيراً على إنصاف البسطاء له، منتشياً بالثقة التي يسمعها ولو همساً منهم، لكنه لم يكن متوقعاً أن الحقيقة قد تجعلك منبوذاً من الجميع، وهو ما اكتشفه متأخراً، وذلك عندما بدأت حملة (منظّمة) تجاه مؤسسة ما نشط فيها إعلاميون فقدوا مميزات خاصة كانت تعطى لهم في وقت الإدارة السابقة وفقدوها في الإدارة الحالية، فاستغلوا خبراتهم السابقة في التأثير على الناس عبر “تغريدات” تعرف من أين تؤكل كتف العاطفة، حتى لو كان ذلك على (جثّة) المهنية والأخلاق، مما حمّس صاحبنا أن يذهب ليكشف الحقيقة كما هي، وليس كما يُقال عنها، فتوسّل كثيراً أمام بوابات (البيروقراطيات)، واستعان بكل الطرق والمعارف حتى تهيأ له الوصول للمكان دون أن يحمل انطباعات مسبقة، بل دون أن يحمل أي شيء غير (كاميرته) وقلمه وذهب للمكان الذي وصف بأنه قعر جهنم.
هناك جعل الحديث (للكاميرا) فقط، ولأن الواقع كان غير ما يُقال، جعل الحديث للصور مع تعليق بسيط: (المكان لم يكن قعر جهنم..لكنه بالتأكيد ليس الجنّة)، مشكلة الصور أنها أتت بعد أن رسّخ القائمون على الحملة الأولى بذهن الناس أن المكان بؤرة للفساد والفوضى، مع شهادات ممن يعلمون في هذا المكان بأنه جهنم فعلاً (شهود العيان بأسماء مستعارة).
لذا أصبح الصحفي الذي عُرف بجرأته بكشف قضايا الفساد فجأة (متملقا ومرتزقا) وغيرها من الصفات.
المؤلم أكثر أن بعض زملائه ممن يعرفون صدقه ومهنيته وأخلاقه اكتفوا بالتمتمة بما يُشبه الهمس: (هو من اختار بنفسه أن يدخل عش الدبابير).
أختم المقالة بسؤال للقارئ: لو كنت مكان هذا الصحفي (غير المتفرغ)، هل ستتخلى عن الهبات المادية والمعنوية والتسهيلات والمكانة الاجتماعية مقابل تجاهل الحقيقة؟أياً كان جوابك..بندر فعل ذلك!