مثقفون: الترجمة إبداع وتأويل لا تجارة وتسويق

الجدل المستمر حول الترجمة وأسرارها وكيف ينتقل النص من لغة وثقافة إلى لغة وثقافة أخرى، كيف يمكن نقل كل تأثيرات النص دون المساس بهويته، أو بهوية الكتاب الأصل، كل تلك إشكالات تجعل من الترجمة عملا معقدا، وإن بدا بتعريفه سهلا وميسرا، فبحسب آراء المترجمين فإن المعرفة وإجادة عدد من اللغات غير كافيتين لصناعة مترجم، لأنه - كما يقول الجاحظ عنه - يجب أن يكون «أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها».


تأويل وإبداع
وعن أبرز إشكالات الترجمة في العالم العربي يقول الناشر والشاعر التونسي شوقي لعنيزي بأن هناك أسئلة يجب أن نجيب عليها أولا تتمحور حول الترجمة، هل هي علم أو فنّ؟ أهي أمانة أم تأويل وإبداع؟ هل تكمن قيمة الترجمة في اللغة أم في الثقافة؟ وهل تستجيب الترجمات العربية المطروحة اليوم في السوق لهذه المواصفات، ويضيف «مع الأسف أغلب ما نقرؤه اليوم باللسان العربي يبدو خليطا غريبا من التراكيب والجمل، تتعطل بمقتضاه الدلالة ويصبح تحصيل المعنى مراما بعيد المنال، والسبب يعود حسب اعتقادي إلى هيمنة منطق السوق على منطق الجودة، ولافتقار أغلب المترجمين إلى شروط الترجمة بما تحمله من تعقيد، فمن كان مجيدا في اللغة الأم تجد إلمامه باللغة العربيّة محدودا، ومن كانت عربيته جيدة تجد إحاطته باللغة الأم ضعيفة، ونادرا ما نجد مترجما يحيط باللغتين معا وبالفوارق بينهما مثل صالح علماني عن الإسبانية أو أحمد الصمعي عن الإيطالية».


علم وليست تجارة
وعن قراءة نتائج وجود آلاف الطلاب المبتعثين في العالم، والذين من المؤكد أنهم يجيدون التحدث بلغات مختلفة، يرى الشاعر والمترجم رائد الجشي، أن الدراسة في الخارج غير مؤثرة على حركة الترجمة لأنها علم لا يكفيه إجادة لغة ليكون الشخص مترجما، ويضيف موضحا «هي تخصص دقيق ويحتاج إلى الإلمام باللغتين اللغة الأم للعمل واللغة المستهدفة، وما لم يكن المبتعثون متخصصين أو أجهدوا أنفسهم في تعلم اللغتين بشكل جيد فلن تكون الترجمة دقيقة ومهمة كنتاج»، وأكد أن ما نحتاجه نحن؛ مؤسسة ترعى الترجمة الحقيقية من وإلى اللغات الأخرى واحترام وتقدير معنوي؛ فضلا عن المادي للمترجم، حتى لا تتحول الترجمة إلى عمل تجاري.


الترجمة محليا
فيما أشار الباحث والمترجم خالد العوض إلى أن غياب الشغف أو الرغبة في الترجمة والدعم المادي كل ذلك سيحد من حركة الترجمة، ولا يعتقد أن لوجود أعداد كبيرة من المبتعثين الملمين بلغات البلدان التي يدرسون فيها أي تأثير، وأضاف: «كما أن هؤلاء مشغولون بتخصصاتهم الفنية وهم لا يختلفون كثيرا عن المبتعثين السابقين المتواجدين الآن في السعودية».
وفي حديثه عن مستوى الترجمة في السعودية، قال العوض: عند مقارنتها بالساحة العربية، نجدها ضعيفة ولا ترقى للمأمول على المستوى الرسمي والفردي، ويضيف «ذلك بسبب غياب الدعم المؤسساتي الذي ينظم أعمال الترجمة ويقدم الدعم للمترجمين ويرعاهم؛ إذ لو نظرت للساحة المحلية في قطاع الترجمة لوجدتها خالية تماما، ولا تكاد ترى أي مؤسسة تهتم بالترجمة فيما عدا جائزة الملك عبدالله للترجمة وهي الوحيدة التي تشجع المترجمين، لكنها مجرد جائزة وليست هيئة أو مؤسسة متخصصة بإدارة وتنظيم ودعم أعمال الترجمة واستقطاب المترجمين المحليين».
مؤكدا أن العشوائية تغلب على الأعمال المترجمة التي يقوم بها المترجمون على نحو فردي بعيدا عن العمل الجماعي المنظم الذي يحتضن مشاريع الترجمة التي يحتاجها المجتمع.