القرشي يرد على عبدالواحد

في كلام الدكتور مصطفى عبدالواحد الذي نشر في صحيفة مكة، الثلاثاء الموافق 28 ربيع الآخر 1436، في سياق قضية سعيد السريحي، لمست فيه لينا ومديحا للدكتور السريحي الذي سحبت منه الدرجة بسبب منه، وسعيد يستحق ذلك وأعلى منه، ويبدو أنه أراد أن ينقل أجواء الحديث إلى أفق آخر، فتحدث عن رسالتي حديثا فيه طعن على علميتي، وعلى الدرجة التي نلتها من كلية اللغة العربية، جامعة أم القرى ليترتب على ذلك أن أصبح أستاذا جامعيا بجامعة الطائف، وهذا أمر لو صمت عنه وسلمتُ لكنت مسلما بالطعن الذي نال به رسالتي تلك الأيام، وسيكون حديثي عن حديث مصطفى عبدالواحد في المحاور التالية: وأستعين بالله وأبدأ الحديث تعزيزا وتأكيدا لقيم أكاديمية وثقافية وليس انتصارا شخصيا.
1- لماذا نقل سياق الحديث إلى عالي القرشي؟ كان عبدالواحد يُسأل عن التقرير الذي كتبه ضد السريحي، وكان له الحق أن ينفي، أو يثبت، لكن لماذا انتقل إلى الحديث عن عالي القرشي؟ يبدو لي أنه شعر بعد أن فُرغ شريط المناقشة، الذي ظهر فيه دفاع سعيد العلمي المنهجي عن أطروحته التي كثيرا ما أحرج فيها عبدالواحد أمام الحضور لم يعد لديه ما يقوله عن سعيد، فاتكأ على العبد الضعيف، الذي اعترف أنه كتب ضده تقريرا "وحش جدا" وهنا تقوم الأسئلة ولا تقعد.
-من أي لهجة هذه الكلمة؟ أظنها من بطن القاهرة التي نحترمها.
ولكن الكلمات العامية لا تستخدم في سياق علمي منهجي يتحدث عن رسالة في الأدب والنقد.
- هل وصف عبدالواحد لتقريره بأنه "وحش جد" يعني استصغارا وسخرية من تقريره بعد ما يقارب ثلاثين عاما؟ أين رؤى هذا التقرير منه، حين كتب تقريرا بصلاحية الرسالة للمناقشة، قبل أيام من موعد المناقشة، الذي أشعر به الطالب والمناقش الخارجي أستاذي الدكتور محمد الهدلق، الذي كتب هو تقريرا بالصلاحية وذهب للمطار، وحين لم يجد تذاكر، ولا حجز فندق، ارتاب في الأمر، وعاد إلى بيته غضبان أسفا، وهوَن من غضبه بأن كتب خطابا يعبر عن استيائه من هذا الموقف والتصرف، وبناء على هذا الموقف غير الحميد اعتذر عن الحضور مرة أخرى لمناقشة هذه الرسالة أو أي مناقشة أخرى بجامعة أم القرى، ويبدو أن حديثه عني كان لرفع الحرج، درجة السريحي سحبت وعالي الذي كانت رسالته ذات منهج حداثي لأن مشرفها تفهم الحداثة مرت ونوقشت، ولأن الجامعة قنعت بالتعديل الشكلي لأنها أصبحت تتحاشى الحرج مع وزارة التعليم العالي بعد الشكوى وبعد توجيه معاليه الحاسم جزاه الله خيرا.
2- كيف يتبرأ من التقرير الذي كتبه ضد السريحي؟ التقرير الذي كتبه عبدالواحد ضد السريحي، شاع في الجامعة آنذاك كثيرا، بل إن السريحي يروي أن معالي مدير الجامعة الدكتور راشد الراجح، أشعره بذلك حين قال إن أحد المناقشين تراجع فسأله سعيد، هل هو هدارة قال: لا، مصطفى عبدالواحد.
فلا يأتي نفي هذا الشيوع الآن بكلمات "أنه لم يكتب تقريرا ضد السريحي" الأمر يحتاج إلى أدلة، تنفي عنه ما كان يرميه به الآخرون حين يريدون أمراَ ما.
3- دفع الطعن عن رسالتي وعن أستاذي الأزهري يذكر مصطفى عبدالواحد عن تقريره "الوحش جدا" أنه اشتمل على أكثر من 27 ملاحظة أشعرته بتعديلها، وهنا أقول: إن كلمته "وحش جدا" تشعر بهول ما رآه في رسالتي لكن 27 ملاحظة في رسالة كاملة، ليست بالقدر الذي يبلغ هذا الهول، ولو كانت ملاحظات جوهرية وناسفة للرسالة، ومحققة لمراده من رد الرسالة، فكيف يشعرني بتعديلها؟ إذن هي ملاحظات جزئية، خاصة أن المدة التي أمضيتها في التعديل مع أستاذي الدكتور عبدالعظيم المطعني لم تبلغ ستة أشهر، فهي لم تتجاوز الثلاثة أشهر، تبدأ من تاريخ إسناد الرسالة إليه رحمه الله وتنتهي بتقديمه تقرير صلاحية الرسالة للمناقشة.
حقيقة ما قمت بتعديله مع أستاذي المطعني كان شكليا، لثقة المطعني في رسالتي الأصل بعد أن قرأها، وقدم تقريرا عنها لعمادة الكلية، يشعرها بإمكانية التعديل وقبول هذه المهمة.
وأهم تعديل فيها هو جعل الباب الأول آخراَ وتعديل عنوانه ليكون " التناول البلاغي للصورة الشعرية " رحمك الله أيها العالم الجليل أستاذي الأزهري الذي ترك مؤلفات ذات خصوصية وأثر في البلاغة العربية، بينما لم يترك مصطفى عبدالواحد إلا مؤلفات وقتية تنال من أصحاب الفكر.
رحمك الله حين تركتني على سجيتي أمارس حرية الفكر لثقتك بنفسك، وثقتك بتلميذك الذي تنصحه حينما تجد كلمة أو فكرة تعرف تحسس القوم منها فيستجيب لك طوعا.
أراد مصطفى عبدالواحد حين هوَل من تقريره أن يبرز شأنه، ومكانه مقابل التهوين من شان أستاذي الأزهري، حين يقول "وأوكلوها للدكتور المطعني وكان أزهريا تقليديا ليس لديه أدنى فكرة عن الحداثة" وفي هذا طعن الذي يعرف علماء مصر معاصرته للرؤى والأفكار المستحدثة، ويقدرون رأيه فيها.
وفي هذا طعن في رسالتي النسخة الأصلية، والمعدلة، كأنها لم تخرج من الحداثة التي يوهم عبدالواحد الآخرين بكفرها وفسوقها، وهذا أمر لم أكن أقبل أن يقال في كتاباتي وأقوالي خارج الرسالة، فكيف أقبله في رسالتي، وأُوغر صدر مصطفى عبدالواحد لأنه لا يريدني أن أكون على هذا النحو، وأقول: إن رسالتي في نسختيها ليس فيها شيء مما توحي به، ذلك لأنني أنتمي وأتمسك بعقيدتي الإسلامية، قبل أن أقعد على مقاعد الدرس بدار التوحيد بقسميها المتوسط والثانوي، وقبل أن أعرفك وأعرف جامعة أم القرى، ولولا تفهمي للحداثة وماذا تعني؟ والمناهج الحديثة في النقد، بوعي واستنارة وتسخير لمعطياتها في إثراء أطروحاتي وغنائها لما أوغلت فيها إيغالا جعلك تشعر أن مشرفي الأزهري مررت عليه مقولاتي.
كلا: كان قارئا لرسالتي في نسختها الأولى، ولم ير فيها ما يريب، وقارئا جلدا لتعديلاتي، أمر عليه بالباب من رسالتي ليلا، وآتي إليه اليوم التالي أجده قرأه، ودوّن عليه ملاحظاته، رحمه الله.
رحمه الله أين هو من ذاك الذي يتسرب الطلاب من بين يديه يبحثون عن مشرف غيره، لتعنته في الملاحظات؟ أو يدفعهم الضجر، وهروبهم من أن يكونوا كتابا لما يملي إلى ترك أطروحاتهم؟ 4- ملاحظات ختامية: • يقول مصطفى عبدالواحد: "أشعرته بتعديلها وإلا سيصبح مصير الرسالة كمصير رسالة السريحي" وأقول: على الرغم من أن هذا الكلام، يفيدني الآن في إثبات أن مصطفى عبدالواحد يظهر نفسه كأنه صاحب القرار في المنح والحجب وإذا لم يكن كذلك حسب حدود صلاحيته فلا أدري عمن كان ينوب ومن يمثل؟! فأؤكد أنه لم يحدث، لأن رسالة السريحي في تلك الفترة تسير في الدهاليز بين اللجان والجامعة والتعليم العالي.
ولم يتحدد مصيرها بعد.
لأن هذا الكلام كما يذكر عبدالواحد بعد تقديمي رسالتي للمناقشة، التي بدأت إجراءاتها بعد مناقشة سعيد وليس بعد سحب الدرجة من سعيد كما يقول عبدالواحد، وكلمة "أشعرته بتعديلاتها " تشعر بأنها ملاحظات جزئية.
• يذكر عبدالواحد أن مهمة أستاذي المطعني تكمن في المراجعة والتعديل، وهذا حق لأن رسالتي ليس بها ما يقتضي غير ذلك كما يوحي به تهويل مصطفى عبدالواحد لتقريره ويشعر كذلك بعدم قبول الكلية لمقولات تقريره، وإلا لما رضيت الكلية أن يكون الأمر مجرد مراجعة وتعديل.
وهو الأمر الذي جعل الكلية لا تفكر في إشراكه في المناقشة بعد تعديلها.
• يذكر مصطفى عبدالواحد أن "عاليا كان متجاوبا" وأقول: نعم كنت متجاوبا، لأن أستاذي المطعني، لم يغتل فكري، كما أردت أنت، وحين شعرت بذلك فررت منك، وشكوت إلى معالي الوزير، وجاء الفرج على يد أستاذي العالم الشيخ الأزهري رحمه الله.
وكما أردت أن تفعل مع سعيد الذي نفس عن نفسه بكتابات فيها إشارات لما يتعرض له فكره من اغتيال، ومنها مقال "حين أحرق التوحيدي كتبه" يذكر مصطفى عبدالواحد لطفي عبدالبديع ويشير إلى أنه الحداثي الذي أسس لفكر الحداثة في كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى ثم طرد من الجامعة بعد أن أغوى عددا من الطلاب بأفكاره.
وأقول: إن هذا الكلام الذي يحمل من الغمز واللمز الكثير مبني على تفكير في الحداثة غير صحيح، وتصور لها سقيم، فلطفي عبدالبديع يشهد له الحرم الشريف الذي نعرف أنه كان يتبتل فيه أوقاتا طويلة، وهو الحافظ لكتاب الله ولا خير فينا إن لم نقل هذه الشهادة حين الغمز واللمز، ولطفي هو الذي خدم التراث بمنجزاته العلمية ذات النظرة المعاصرة المتجددة.
لطفي هو الذي كنتُ أنا وزملائي الذين تظنهم غواة نستمع إليه بإصغاء لا يمل حين يحدثنا عن القرآن الكريم وتلقي الوحي.
كنت أظنك ستقول في سياق حديثك عن لطفي: ولا أدري كيف تعاقدت معه جامعة أم القرى؟ غير أنك لا تستطيع لأنك تعرف من تعاقد معه! أقول قولي هذا انتصارا لحق ودفعا لأوهام واتهامات باطلة، غفر الله لي ولكم، والله المستعان، حسبنا الله ونعم الوكيل.
• ختاما: أقول: علمتنا قضيتي وقضية السريحي كيف تفعل الغيرة فعلها، فتلزم الرجال بما ليس من شيمهم ومروءتهم! فبقدر ما علمتنا يا أستاذ الأجيال أستاذنا الدكتور لطفي عبدالبديع تعرضنا وتعرضت للأذى حتى بعد موتك رحمك الله! وبقدر ما منحتني من حرية الفكر، واحترام الرأي يا شيخي الأزهري العالم الجليل عبدالعظيم المطعني نالني ونالك الأذى في هذه المقولات المنشورة يوم الثلاثاء الماضي في صحيفة مكة، رحمك الله.
وأيضا بقدر ما علمتنا يا أستاذ الأجيال أستاذنا الدكتور حسن باجودة، من الأمانة، وتدقيق الرأي، والوقوف مع الحق، نالك الأذى الذي نستنكره بشدة منذ أن أحيلت إليك رسالة السريحي إلى أن ختم ذلك بالقول لعبدالواحد "ثم أسندت مهمة الإشراف على رسالة السريحي للدكتور حسن باجودة الذي كان متعاطفا مع السريحي".
كلا لم تكن أيها الرجل الأبيض القلب، والنقي السريرة، والحافظ لكتاب الله ولا نزكي على الله أحدا لم تكن لترضى بأمر يخدش بالعقيدة مهما كانت عاطفتك تجاه من يفعل ذلك، فصبر جميل والله المستعان !!.