عن تاريخ المدينة
الأربعاء، ٢٩ يناير ٢٠١٤
منذ خطَّ محمد بن الحسن بن زَبَالة (ت 199هـ) كتابه (أخبار المدينة) في القرن الهجري الثاني، وهو أول كتاب يصل إلينا شبه مكتمل عن تاريخها، حتى كتب الدكتور عبدالباسط بدر كتابه (التاريخ الشامل للمدينة المنورة) في القرن الهجري الحالي، وهذه المدينة الطاهرة مدعاة للكتابة والتأليف حول شؤونها وأحوالها كافة
حيث اختلف جمع من العلماء الأجلاء في مختلف العصور إلى إيلاء شرف الكتابة عنها ما يستوجبه ذلك من أهلية معرفية ونية صادقة مخلصة، وهمَّة دؤوبة تعي نبل المقصد وقيمة الموضوع
فتوفر لمكتبتها عددٌ وافرٌ من المؤلفات قلَّ أن تضاهيها فيه مدينة حضارية أخرى
مؤلفاتٌ ما كان أصحابها يلوون على غير القربى لله والأمل بشفاعة نبيه والتئاذاً بجاهه وصوناً لتاريخها من غايات دنيا، يتداعى لها وعليها القاصرون عن بلوغ ذلك المعنى وإدراك مقتضياته
غير أن (المسكينة) -وذاك من أسمائها- أغرت أنصاف وأشباه المتعلمين بليونة مقاربة شؤونها، أو تاريخها، كما أغراهم حبهم لها توهُم بلوغ شرط كفاية الكتابة عنها
وهمٌ يؤزه الأمل بمجد شخصي وذكر ذائع تزجيه المدينة لهم بلا ثمن
والشهرة تطلعٌ مباحٌ لمن راده بشرطه الأخلاقي، طالما راعى قدر العلم وشروطه، واستيقن جنابه الرفيع، وآدابه المعتبرة، واستوفى شروط الاشتغال بأصوله أو فروعه ومجالاته
بمثل ما كان عليه الفضلاء والأخيار من مؤرخيها الأولين، الذين أفنوا قسطاً من أعمارهم أو جلِّها في تحصيل ذلك الشأو تدرجاً في تكوين معارفهم، وبلوغاً لدرجة العالم الحق، على نحو ما كان عليه لفيف من مؤرخي المدينة كابن شبه النميري (ت 262هـ)، الذي قضى نحواً من خمسين عاماً في تأليف كتابه (أخبار المدينة)
ومن اللاحقين من الخلف المستن بذلك السلوك والنهج القويم، الشريف إبراهيم العياشي (ت 1400هـ) الذي عكف عشرين عاماً كي يصدر كتابه (المدينة بين الماضي والحاضر)
إلى أن استحال التأليف في أي من أحوال المدينة المنورة ولا سيما تاريخها، مستسهلاً يؤمه قوم ضحلت قدراتهم المعرفية، ووهنت عزائمهم عن البحث والتأسيس والتأصيل، واستطعموا لذة الشهرة والمال، متاجرة بتاريخها وأخبارها
فلم يتجاوز صنيعهم مهد الكفاف الضئيل من المقدرة؛ بتسجيل بقايا حكايات، ولصق معلومات وجمع اقتباسات وخزنها بين دفتين، لا تتجاوز خلاصات المقدمات والخواتيم عن المدينة أو حولها في أسفار الأولين
وقد عَظُم المطلوب فلم يجدوا مساعداً سوى اجتزاء المتوفر من كتب المؤرخين والسطو على جهودهم، ولا تسل حينها عن منهج علمي، أو أمانة في النقل والاعتماد
ومن بؤس الطالع أن فتح ذلك شهية من دونهم ليقاسموهم المتاجرة بشرف الموضوع وقيمة الكتابة عن المدينة في وجدان المسلمين
فقسَّموا على الإيقاع ذاته أنغاماً صدئة، رُتِّبت حروفها على ورق فاخر، وانتشت ألواناً زاهية، وتجلَّت عناوين مضللة خادعة، لا يفاصل ولا يفاضل محبو المدينة فيها، إذ يتغلَّب حبها على كل محاولة تروم التحقق أو فحص المحتوى
وهكذا كان أمر التأليف عن المدينة المنورة في العصور المتأخرة، تجاذبات واستقطابات تبتغي فصل الجوهر عن المظهر، والإيغال في تجميل الأخير بما يستثير الدهشة، ويستدعي الجاذبية والمقروئية، حتى إذا تكلَّف القارئ مطالعة ذلك؛ فلن يجد إلا اختصاراً مخلاً في المعلومات وانفصام في سياقها، أو قضم متون نصية للأولين من المؤرخين، ولا يسلم ذلك الصنيع من دافع جهوي أو عائلي أو ذاتي يترسم وسمه في سجل شرف سيرتها الوضاءة
أخال ظاهرة ثقافية كهذه تعلن انتماءها إلى عصرها، الذي تختلط فيه الأوراق وتتماهى المفاهيم، ويتسع ليسع الرؤى الخداج والأصوات الدَّعية، لا فوارق ظاهرة ملزمة، ولا حدود مرعية، تجنِّب حقل العلم المفتئتين على جلاله، أو زواجر معنوية تردعهم
وكان أدعى لو تذكَّر من تذكَّر أن الأسلاف من مؤرخيها كانوا يحتاطون كلما همَّ عزمهم أن يكتب عنها، وكانوا يعدُّون ذلك مرتقىً صعباً تؤزهم التقوى تجاهه، ويدفعهم الإيمان إليه، ويحفهم إجلال مقام ساكنها الأعظم عليه الصلاة والسلام
أدركوا مسؤولية العلم، فخاضت مقدمات كتبهم وديباجاتها بما يعكس وجلهم الرفيع من محاولة كهذه
ومن يقرأ تلك المقدمات يُذهل من عِظم ما أحاطوا أنفسهم به من تعبيرات عن الضآلة والاحتقار، والمهابة إزاء أمر جلل جليل، عزموا الخوض فيه، فقطعوا المسافات وجابوا الأمكنة المتباعدة، حتى يوافوا معلومة أو خبراً عنها، حتى إذا ما بلغوا ثراها، ولا شيء يحدوهم سوى الدنو والانغماس بطهرها، فاستلوا أقلامهم في أفيائها ليكتبوا ما صار فيما بعدهم مستناراً لمن راد معرفة تاريخها وأحوالها وأحداثها ومعالمها وأناسها ومقدساتها وتحولاتها
فإذا هم يكشفون ما استغلق على اللاحقين من شؤونها وتاريخها، حتى خَلَفَ من بعدهم خَلْف قصرت هِمم بعضهم عن بلوغ أدنى ما جازوه
خلْفٌ أشاعوا ظاهرة غير لائقة في مقاربة تاريخها، أو ثقافتها أو تنوعها الاجتماعي وعاداتها وموروثاتها، فشايعهم أمثالهم على منوال تلوح أشائر عواره المنهجي، واختلاله القيمي، حتى لو كان ظاهره تعلقاً بسيرة كمالات النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وكشفاً عن بعض متعلقاته فيها، وسيرته وآثار خطاه المباركة في عرصاتها الطاهرة
ولم يمنع ظاهرة كهذه، قيام مركز بحثي علمي متخصص بتاريخها، تولى في سني عقده الأول إرساء تقاليد علمية جادة ومصانة في مجال الكتابة عنها، وأنجز عدداً لا بأس به من المراجع والكتب العلمية الخاصة بها تأليفاً وتحقيقاً ودراسات، غير أن تعدد إداراته وتغير مرجعياته الإدارية أشغلته عن وضع نظام ملزم، وتقرير قواعد صارمة تكف أيدي العابثين، وترشِّد سفه الراكضين خلف أمجاد شخصية، المتكالبين على الأثرة والشهرة من خلال الادعاء بخدمة تاريخ البلدة الطاهرة، ولم يعد جلّ القارئين يفرِّق بين الأصيل والدخيل، والعالم والدَّعي في أمر كذلك، وحسبنا الله ونعم الوكيل